تتصفح حاليا موقع المرصد النيابي العراقي للدورة البرلمانية الثانية للفترة من 2014 ولغاية 2018 للانتقال الى موقع الدورة الحالية اضغط هنا

    Logo     تنويه     Logo     مجلس النواب يعلن انتهاء عمله للدورة الحالية     Logo     اطلاق التقرير النهائي     Logo     مؤتمر اطلاق التقرير النهائي     Logo     القراءة الثانية لمقترح قانون التعديل الرابع

 

هل تعتقد ان اداء مجلس النواب الحالي هو افضل من الدورة السابقة ؟

  نعم
  لا

مجموع الأصوات 694

 

 

التقرير النهائي للدورة الثالثة 2014-2018
تقرير شهر ايار /2018
تقرير السنة التشريعية الرابعة للدورة الثالثة

 

الدستور العراقي
امن العراق ووسائل تحقيقه
توجهات الاستثمار في الاقتصاد العراقي بعد 2003
مبدأ التسامح انساقه الفكرية ودوره في تعزيز العملية السياسية
مبدأ الفصل بين السلطات



 

جلسة تداولية

 
  فقرات الجلسة
محضر الجلسة
 

 

 


 
 

 

 

افكار في بناء الدولة د. عامر حسن فياض ......خاص لمدارك

 

 

 

 

 

 

 

 

أفكار في بناء الدولة العراقية الحديثة

 

 

د. عامر حسن فياض

 

 

المقدمة :

في مقدمة البحث عن شقاءات التحول الديمقراطي في العراق المعاصر من المفيد أن نضع بعض الانتباهات ذات الصلة بما هية الدولة المدنية وأشياء ليست أخرى.ومن ابرز هذه الانتباهات هي:

·   إن الحديث عن الدولة المدنية هو الحديث عن البعد السياسي في الحياة المجتمعية .وان التعرف على البعد السياسي للأشياء يبدأ وينتهي من خلال علاقة هذا الشيء أو ذاك بالسلطة السياسية أي سلطة الدولة من حيث:

-    أصل السلطة السياسية ومصدر شرعيتها ( أصل غير إرادي غير أنساني أي أصل ديني أو أسطوري أم أصل إرادي إنساني أي شرعية القوة أو شرعية الرضا العام ).

-         شكل نظام السلطة السياسية ( مركزي – لا مركزي – شمولي – تعددي ......الخ ) .

-         وظيفة السلطة السياسية ( واسعة أم محدودة ).

-         تداول أو تعاقب السلطة السياسية ( سلمي أم عنيف ).

·   إذا كانت السلطة قرينة في وجودها بوجود المجتمعات الإنسانية القديمة والوسطية فأن الدولة المدنية وسلطتها السياسية قرينة في وجودها بالمجتمعات السياسية الحديثة .فهي منجز من منجزات الحداثة .عليه فأن الحديث عن الدولة المدنية وسلطتها السياسية هو الحديث عن دولة وضعية،بمعنى أنها دولة من صناعة الإرادة السياسية ....فلا حضور ولا دور لإرادة ما قبل أو بعد الإرادة الإنسانية في تشكيل الدولة المدنية وفي استمرارها وفي تواريها .

·   إذا كانت الدولة المدنية ، بوصفها دولة وضعية ، هي منجز من منجزات الأزمنة الحديثة فأن ما قبل تلك الأزمنة لم تكن الدولة المدنية وسلطتها السياسية قائمة آنذاك. بل إن المجتمعات السياسية القديمة والوسطية شهدت وعرفت تسميات أخرى غير تسمية الدولة المدنية مثل تسميات ( دويلات المدن – الممالك – الإمارات – الإمبراطوريات – الحواضر – الولايات .....الخ ) .

·   من الخطأ إن تعرف الدولة المدنية بدلالة وصفها فقط بدلالة النقيض للدولة (المعسكرة حكومة ومجتمعاً) .بمعنى آخر أن مفردة ( المدنية ) لا تعني فقط النقيض لمعرفة ( العسكرة ) . فالتمدن والمدنية حاصل تفاعل علاقات ومؤسسات تشغل الفراغ ما بين الفرد ( المواطن ) والدولة الوضعية ، وان تلك العلاقات والمؤسسات محكومة بقوانين وضعاها العقل الإنساني تستهدف تحقيق التوازن بين مصالح الأفراد والجماعات داخل المجتمع.

·   لامكان لآلية الحسم العنيف في الدولة المدنية عند التعامل مع تعارض المصالح بل الحضور ، كل الحضور، لآلية التسوية السلمية لتعارض المصالح في المجتمعات الإنسانية . وان آلية التسوية السلمية هذه – تقتضي توسل جميع التنوعات المتعارضة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وسائل سلمية وليست عنيفة كتوسل الانتخابات بدل الانقلابات وسيلة سلمية لاختيار رجالات إدارة الشأن العام في الدولة المدنية ، وان السلطان في تسوية التعارضات بمختلف ضروبها السياسية وغير السياسية يتمثل بسلطان القانون وبيوت العدالة ( القضاة والمحاكم ) ، أما المعلم في كل هذه التسويات فهو العقل . عليه فأن الدولة المدنية في ابسط المفاهيم تعني أنها دولة السلطان فيها هو للقانون ، كما أنها دولة المعلم فيها هو العقل ....أنها دولة المواطنة وليس الرعية ....دولة التعددية وليس الواحدية ....دولة الانتخابات لا الانقلابات ...دولة المشاركة في السلطة وليس الاستيلاء على السلطة .

 

في إعاقة الدولة المدنية

في العراق امتازت العهود الجمهورية الأربعة ( 1958 – 2003 )بخاصية (الاستيلاء) على السلطة يقابلها غياب لخاصية ( المشاركة ) في السلطة . وعليه فأن العنف السياسي كان قرين مخلص لخاصية ( الاستيلاء ) على السلطة ونقيض ( مخلص أيضا ) لخاصية المشاركة في السلطة وبذلك فان المناخ السياسي الخصب والعنف السياسي ضد الآخر المختلف يتشكل من خلال :-

-    العلاقة بين العنف وبين أصل ومصدر شرعية السلطة السياسية غير القائمة على القبول والرضا المجتمعي ( القوة مصدر واصل السلطة السياسية ).

-    العلاقة بين العنف وبين شكل نظام السلطة السياسية غير القائم على التعددية السياسية ( النظام الشمولي ) أو سلطة النظام المركزي المشجع على العنف تقابلها سلطة النظام الفدرالي الحقيقي المشجع على تجذير سلوك وثقافة الأعنف .

-    العلاقة بين العنف وبين وظيفة السلطة السياسية ( سلطة النظام ألتدخلي الذي يجعل  من الدولة بمثابة الوحش المفترس ) .

-    العلاقة بين العنف وبين آلية تعاقب السلطة السياسية غير القائمة على مبدأ التداول السلمي للسلطة ( أي سلطة النظام الذي يعتمد مبدأ التداول غير السلمي للسلطة ) .

 

غياب ثقافة المشاركة

إن المناخات السياسية المشجعة على العنف تصاحبها مناخات ثقافية مشجعة على العنف ضد الآخر . وهذه المناخات الثقافية مبنية على هيمنة الثقافة التقليدية العتيقة أو على ثقافة العنف والخضوع أو الاثنين معاً بعيداً عن ثقافة المساهمة والمشاركة التي تشكل – أي الأخيرة – المناخ الثقافي الملائم لبناء الدولة المدنية وثقافتها القائمة على قبول المختلف والتسامح مع الآخر .

واستناداً لما تقدم يلاحظ على الحالة العراقية بسبب ضعف بل بسبب غياب ثقافة المساهمة والمشاركة ما يأتي :

·        إن التنوع في العراق هو تنوع متنافر متنابذ وليس تنوعاً هرمونياً منسجم .

·   سيادة ثقافة الحسم على ثقافة التسوية ، حيث إن ثقافة الحسم تقوم على تصفية الأجساد بينما ثقافة التسوية تقوم على تصفية الأحقاد .

·   من منطلق العلاقة بين ثقافة العنف ( المناهضة للمدنية والتمدن ) وبين طبيعة النظام السياسي ، فأن الصيغة الفيدرالية للنظام السياسي العراقي المعاصر مشجعة على تجذير وزرع ثقافة الأعنف . بمعنى آخر أيهما أفضل لثقافة اللاعنف هل النظام المركزي أم النظام اللامركزي ؟ وأي صيغة من صيغ النظام اللامركزي ( الحكم المحلي – الفيدرالية – الكونفدرالية ) هي الأفضل لمثل هذه الثقافة ؟

·   لابد من التمييز ما بين ثقافة التعامل ( الفاعلة ) وثقافة التصدي والتحدي  (العازلة ) عند من يحرص على تجاوز العنف وبناء الدولة المدنية المناهضة للعنف ، والبدء بالتحول الديمقراطي . ففي ثقافة التصدي والتحدي سنخسر الجديد والمبتكر والمتأتي من الآخر مرتين .... مرة عندما نرفض الآخر بالتصدي والتحدي والمواجهة معه ، ومرة أخرى عندما ( نضطر )وبشكل متأخر بقبول الآخر.

·        هناك علاقة عكسية بين قبول العنف ضد الآخر وبين الانشغال ببناء الدولة المدنية .

 

حوامل بناء الدولة المدنية

إن عملية بناء الدولة المدنية الحديثة في التأطر النظري الفكري ، وفي التجربة العملية التاريخية تستدعي الاتكاء على تفسير ( نظرية ) من تفسيرات ( النظريات) المعروفة عند المهتمين بنشأة الدولة المدنية ، ألا وهي نظرية العقد الاجتماعي دون التفسيرات ( النظريات ) الأخرى مثل ( نظرية القوة – نظرية الأسرة – النظرة الدينية ....الخ ) . كما تستلزم استحضار عناصر أو مقومات البناء لكل دولة والمتمثلة بـ( الشعب – الإقليم – حكومة ذات سيادة – اعتراف دولي ).

بيد أن وجود هذه المقومات أو تلك العناصر لوحدها غير كافٍ من دون وجود علاقة تفاعلية متبادلة بين هذه المقومات أو تلك العناصر .وهذه العلاقة التفاعلية المتبادلة ( غير التنضيدية ، غير التجميعية ) بين عناصر ومقومات بناء الدولة تستوجب – كيما تكون علاقة تفاعلية تبادلية – وجود وشائج تجعل من الدولة المدنية الحديثة حقيقة حية  ملموسة . وهذه الوشائج أو تلك العلاقة يصنعها المجتمع وأفراده بأسواق مستقرة ومعابد آمنة ومدارس مفتوحة . كما تصنعها أيضا مؤسسات سياسية مدنية ( دستور – برلمان – أحزاب – صحافة ) والهوية السياسية المدنية ( الهوية الوطنية ).

عليه فأن الدولة المدنية الحديثة تبني على خيارات موضوعية عندما تتوافر الحوامل الآتية :-

·   الحامل الاقتصادي ( اقتصاد مستقر – قانون العرض والطلب فعال – الربح والخسارة – المبادرة الفردية نشطة – الملكية الخاصة مصونة ) وكل ذلك يمثل الحامل الموضوعي الاقتصادي للدولة المدنية الحديثة .

·   الحامل السياسي ( انتخابات – دستور – برلمان منتخب – تعددية حزبية – صحافة حرة – سيادة القانون – قضاء مستقل – احترام حقوق الإنسان ) وكل ذلك يمثل الحامل الموضوعي السياسي للدولة المدنية الحديثة .

·   الحامل الفكري ( هيمنة النزاعات العقلانية – والفردية – والعلمانية ) وكل ذلك يمثل الحامل الفكري والثقافي الموضوعي للدولة المدنية الحديثة .

ولكن إن لم تتوفر تلك الحوامل أو بعضها فهذا لا يعني الانتظار لحين استكمال جميعاً وان عدم الانتظار لحين استكمالها جميعاً مع الحاجة الضرورية لبناء الدولة المدنية يجعل من الأخيرة ( أي الحاجة لبناء الدولة المدنية ) خياراً سياسياً واعياً وضعياً وليس خياراً موضوعياً بمعنى أدق ينبغي إن نجعل من بناء الدولة المدنية الحديثة خياراً موضوعياً ( سياسي واع ) يبدأ من فوق وليس من تحت . وهذا الخيار السياسي الواعي نريد له أن يتحقق من خلال تشكيل برلمان منتخب( مجلس النواب )  وتعددية سياسية ( تعددية حزبية وصحافة حرة ).

 

التشوهات الوضعية في العملية السياسية

إن هذا ما تم فعله في عراق ما بعد عام 2003. ولكن حصلت بعض تشوهات وضعية تضاف الى تشوهات موضوعية ساهمت في صناعة العنف واستمراره كما ساهمت في الابتعاد عن صناعة وبناء الدولة المدنية الحديثة تتلخص في علامات فارقة تضمنها المشهد المجتمعي العراقي الراهن وتتلخص بالعناوين والعبارات والأسئلة الآتية:-

·   تقدم المشروع المعلن ( المشروع الرسمي لبناء الدولة العراقية المدنية الحديثة ) وتخلف الأدوات والآليات المستخدمة . بمعنى أن مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة يؤشر هيكلاً سياسياً متمدناً ( ديمقراطي فدرالي ) بحشوه غير متمدنة بسبب اعتماد معايير سياسية غير متمدنة ( طائفية دينية – تعصبية قومية – اجتماعية عشائرية ).

·   حضور التعددية التنابذية وغياب التعددية الهرمونية ( المنسجمة ) الأمر الذي جعل الشأن العراقي شأن مجتمع انفعالات وليس مجتمع تفاعلات ...مجتمع خلاف دموي وليس مجتمع تنوع واختلاف سلمي ... مجتمع انفلات من القيود وليس مجتمع تحرر من القيود .

·   طوئفة السياسية في بلاد تنتقل من  الحريات المعدومة الى زمن الحريات المتوحشة ، وفي ظل الزمن الأخير نشهد استباحات عنيفة متنوعة  (استباحات دور العبادة وأهلها – استباحة دور العدالة ورجالاتها – استباحة دور العلم وشاغليها – استباحة الأسواق وزبائنها ) وبالنتيجة فأن طوئفة السياسة أخذت تحمل مخاطر الحرب الأهلية أو التقسيم أو الاثنين معاً.

·   حصلت تشوهات في الدستور فأصبح الدستور ( بالألغام ) جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يصبح جزءاً من الحل ، الأمر الذي يقتضي التعديل لتجاوز التشوهات ( اللالغام ) كما حصلت تشوهات في الانتخابات الأمر الذي يقتضي اعتماد قانون للانتخابات التشريعية وآخر لانتخابات مجالس الأقاليم والمحافظات غير المنضمة لإقليم يتجاوز نظام القائمة المغلقة . وحصلت تشوهات في التعددية الحزبية وتعددية الرأي الأمر الذي يقتضي اعتماد قانون جديد للتعددية الحزبية ( قانون الأحزاب السياسية ) يقوم على أسس ومعايير سياسية مدنية تقبل بأحزاب تعتمد مبدأ التداول السلمي للسلطة ولا تقبل بالتنظيمات الحزبية التي تحتضن هياكل عسكرية أو شبه عسكرية مسلحة داخلها ولا تقبل بالمحاصصة الطائفية الدينية والتعصب القومي لتجاوز التشوهات بهذا الشأن إضافة الى ضرورة وجود قانون للصحافة الحرة يضمن مبدأ تعددية الرأي وحرية التعبير .

إن هذه الإصلاحات لتشوهات العملية السياسية ينبغي ان ترافقها عملية مصالحها وطنية ، فما هي تلك المصالحة ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟

 

المصالحة الوطنية وبناء الدولة المدنية

إن من يريد إن يكون مواطناً عراقياً يعيش ويشارك في دولة مدنية ينادي ويعمل من اجل المصالحة الوطنية . فبعد أن وقع العراقيين في حال من الغيبوبة عن كل ما هو وطني ، ولم نعد نعي واجبنا حيال وطن يحتضنا وبالتالي حيال مستقبل أجيالنا وأجيال مقبلة من أهل بلدنا ، فأن الكل أصبح منشغل بنفسه ، وهمه الأول كيف يسجل " انتصارات " جوفاء على أنداده في الوطن .

وادهي ما في حالنا إن العصبية الفئوية تتحكم بمشاعرنا وتفكيرنا وسلوكنا . فهي التي ترسم خطوط الفصل بين المتنابذين ولا نقول المتنافسين ، فالتنافس يكون على مكسب أو غنيمة ، وليس في حياتنا مكسب أو غنيمة لفئة على حساب فئة أخرى ، فكلنا في مركب واحد ، والعاصفة الطائفية المذهبية والقومية التي تكاد تغرق المركب لأتميز بين راكب وآخر.

ليس من مكون في العراق إلا ويشكو انه مظلوم ، وليس من مكون يقر بأنه ظالم فكيف يكون ظلم من دون ظالم ؟ انه مرفوض الفئوية التعصبية القومية والطائفية المذهبية وشر المتاجرين بهما .

هذه المصيبة الجامعة سوف تنتهي ، فأي مصيبة في التاريخ لم تنته؟ ولكن السؤال هو متى ؟ المخرج بسيط وواضح . انه في أنفسنا ، فلنعقد العزم على إنقاذ أنفسنا ومجتمعنا ووطننا ، ونوطد العزيمة على عدم الإصغاء الى الخارج أو الرهان أو الاستقواء بقوى خارجية من هنا وهناك ، ولنخلص لأنفسنا ووطننا فنوظف إرادتنا الحرة في التخلي عن نفسية الانتحار التي تستبد بنا لنخرج بتصميمنا من حال الغيبوبة التي تسيطر علينا ولنتحرر من قفص الانقسام اوالمحاصصات التي تفرق بيننا.

كل ذلك يبدأ بنا بوعي مصالحنا الذاتية والوطنية ونبذ كل ما عداها ، ومصلحتنا الأولى هي في عدم الانجرار وراء إرادات برانية ، بينها من يوظف العراق في تحقيق أهدافه على صعيد المنطقة برمتها ، وبينها هو عدو يتربص بنا شراً .والوعي بالتصالح والمصالحة في نهاية التحليل قرار . فمتى نقرر العودة الى وعينا ، ونـحقق المصالحة الوطنية ؟ والوعي الوطني يعني نفض كل أدران العصبية والفئوية عن أنفسنا ، والتبرؤ من كل أوزار الأنانية والنفعية ، والتحرر من سطوة الزعامات الانطوائية الضيقة والفارغة وغير المسؤولة ، والعودة الى أصالتنا ووفائنا للوطن السيد المستقل الديمقراطي الفيدرالي الموحد.

وإثناء عملية الإصلاح والمصالحة هذه وبعدها لابد من إدراك وتشخيص المرحلة يمر بها العراق اليوم ومعرفة متطلباتها بوعي عال ... ففي أي لحظة من التاريخ يقف عراق اليوم ؟

 

تشخيص المرحلة

إن عراق اليوم يقف في مرحلة ( الانتقال الى مرحلة التحول الديمقراطي )ولم يصل بعد الى ( مرحلة التحول الديمقراطي ) ، وكذلك بالتأكيد ، لم يعش بعد  (المرحلة الديمقراطية ) .فعلى عكس ما توهم الكثير فأن الديمقراطية لا تؤدي الى نفسها بشكل أوتوماتيكي .وان تجربة العالم المتقدم ديمقراطياً تثبت لنا أن النظام الدستوري سبق النظام الديمقراطي الى الوجود بسنوات طويلة .فلم تصبح أنظمة أوربا الغربية ديمقراطية إلا بعد مرحلة تحول دستوري مدني ثم تحول ديمقراطي مدني ثم دول ديمقراطية مدنية ( لاحظ إن المدنية مرافقة لكل المراحل ) .فالأساس هو دولة التحول الدستوري المدني أي دولة الحق والقانون .... دولة المواطنة ...الدولة الدستورية وهي دولة قوية مع المواطن وليس دولة قوية ضد المواطن ، ولا دولة هشة تحت رحمة فرد أو جماعات ...إنها دولة المؤسسات ....إنها الدولة المدنية الحديثة .

إن تشخيص المرحلة يؤشر إن عراق اليوم  يمر في مرحلة انتقالية صنعها تاريخ سيء هو تاريخ الشمولية ومستقبل صعب هو مستقبل انجاز الديمقراطية .عليه فأنها مرحلة تتعايش معها وفيها المتناقضات وتزدحم بالمتغيرات .وان العلامات الفارقة لهذه المتناقضات وتلك المتغيرات نتلمسها في سلوكيات النخب السياسية التي تتراوح ما بين هلاك سياسي وحراك سياسي ، والأول ( أي الهلاك السياسي) يتمثل في أن أشياء كثيرة تحصل في عراق اليوم هي بعيدة عن السياسة بصيغتها المدنية قريبة من السياسات غير المدنية . فإذا كانت السياسة المدنية تتمثل في بناء مجتمع التسويات لا التصفيات ومجتمع التنافس لا التنابذ ، ومجتمع صحوة المواطنة لا غيبوبة الوطنية فأن السياسات غير المدنية تتمثل بسياسات أحياء يحكمهم الأموات وسياسات التقدم نـحو الخلف ، وسياسات الانقلابات وليس الانتخابات ، وسياسات الاستيلاء على السلطة وليس المشاركة في السلطة .وتلك السياسات غير المدنية نتلمسها في السياسات الطائفية المذهبية ( سنة -  شيعة،إسلام – مسيحية ) وسياسات عصبية قومية ( عرب – كرد – تركمان ...الخ ) وسياسات اجتماعية عشائرية ( صحوات ) وسياسات جبهوية مناطقية ( دولة الفضل – دولة الاعظمية – دولة الشعلة – دولة الحرية ).

أما الحراك السياسي فتتقاسمه ( قسمة ضيزا ) تكتلات جديدة قليلة وتفكيكات قديمة وجديدة كثيرة ..وانه حراك صفقات ظرفية ومؤقتة تنظر أولا الى مصالح فرفاء هذه الصفقة أو تلك ، ثم تدعوا أخيرا بل بعد الأخير أيضا الى الولاء الكلامي الى مصالح البلاد والعباد .وان حصلت مثل هذه التحالفات الجديدة فأنها تحالفات كاشفة ( لصفقات ) وليس خالقة لإمكانيات التغيير والتطوير نـحو الأحسن أي نـحو بناء الدولة المدنية الحديثة في العراق .

وإذا كان عراق اليوم يمر في مرحلة انتقالية تعتاش في المتناقضات وتزدحم بالمتغيرات فان من غير الممكن تأييد الانتقال كما انه من غير الممكن تجميد المتغير . عليه هناك حاجة ماسة الى التعامل مع الانتقالي تعاملاً ايجابياً لتجاوز تشوهات العملية السياسية ولتجنب خطر نمو وحش أو ربما وحوش الشمولية في رحم الديمقراطية العراقية الوليدة . وهذا التعامل الايجابي يحتاج الى رؤية واضحة ومنهجية متعلقة ، فما هي طبيعة هذه الرؤية ؟ وما هي ملامح هذه المنهجية المتعلقة ؟

 

الدولة المدنية والتطعيم الديمقراطي

في عراق مثقل بالأزمات بل وطاعن في التأزم ، توهم البعض إن ولادة الديمقراطية ستنبثق من سقوط الديكتاتورية كما هو حال إعادة إقامتها في ألمانيا بعد سقوط النازية وفي ايطاليا بعد سقوط الفاشية ، وكما هو الحال إقامتها في اليابان بعد عام 1945. ولكن الديمقراطية لم تقم ( حالاً) في أي من البلدان الأوربية الغربية ، ولا حتى في الولايات المتحدة الأمريكية .فهل تنسى حرب الاستقلال ، القضاء على الهنود الحمر ، العبودية ، الحرب الأهلية ، رفض حق التصويت للسود ، دون نسيان مشاكل اليوم من التمنع عن التصويت وهيمنة المال واللوبيات ،و طابع الإثارة الاجتماعية الكاريكاتوري الذي تتخذه السياسة ؟ وقرون التناوب بين الثورات الدموية والقمع الشرس ؟ وفي فرنسا ، كيف ننسى المائة وخمسين عاماً الفاصلة بين أول عملية اقتراع عام 1795 م وحق الانتخاب للنساء الفرنسيات ؟

كل هذه الأسئلة يطرحها الدبلوماسي الفرنسي ( هوبير فيدرن ) في كتابه الذي يحمل عنوان ( استمرار التاريخ ) ، ويضيف القول ( إن على الغرب التشجيع على الديمقراطية دون السعي الى فرضها ) . فالديمقراطية ( ليست نسكافه! ) أي ليست قهوة فورية الصنع على رأي الكاتب المكسيكي ( اوكتافيو باز ).

في الواقع ، وبقد تعلق الأمر بالحالة العراقية اليوم ، نريد أن نـحذر من الخلط بين ( إعادة ) الديمقراطية بعد عام 1945 م في ألمانيا وايطاليا ثم اسبانيا والبرتغال واليونان وأمريكا اللاتينية ، وبين ( إقامة ) الديمقراطية في بلاد لم يكن لها ( قبلاً) وجود مكتمل ولا حتى نصف مكتمل وان كانت هناك جذور فكرية ولحظات عملية للديمقراطية كما هو الحال في العراق الملكي ، أما التشبه بالتجربة اليابانية في إقامة الديمقراطية فأن اليابان هي من المجتمعات المتجانسة بينما العراق من المجتمعات المتنافرة .وإذا كانت التقنيات الديمقراطية ( مثل الانتخابات تحت الرقابة)سهلة التصدير فأن الثقافة الديمقراطية ( احترام حقوق الأقليات ، حقوق المواطن ) يتطلب زرعها في النفوس زمناً طويلاً . ثم كيف نخلط في المحصلة بين مسار الديمقراطية الداخلية من خلال الإمكانات الموضوعية الملائمة التي يكتنزها المجتمع ، وبين فرض الديمقراطية من الخارج دون توفر هذه الإمكانات الموضوعية الملائمة ؟

بالنتيجة فأن المرحلة التي يمر بها عراق اليوم ليست مرحلة ديمقراطية ولا مرحلة تحول ديمقراطي بل هي مرحلة ( تطعيم ) ديمقراطي ؟ وهذا التطعيم لا ينجح في إزاحة آثار وحش الشمولية القديم ولا إزاحة ممارسات وحوش الشمولية العراقية الجديدة دون تمكين .

والتمكن بقدر ما يكشف إمكانيات ينبغي أن يخلق إمكانيات للعبور بالعراق من المرحلة الانتقالية الى مرحلة التحول الديمقراطي . وليس هناك كفيل بكشف وخلق الإمكانيات للتحول الديمقراطي سوى الدولة المدنية . فالأخيرة ( أي الدولة المدنية) ستكون قادرة على تجاوز تشوهات العملية السياسية وتحقق المصالحة الوطنية وتجنب العراق من توحش الشموليين الجدد في رحم ديمقراطية عراقية وليدة . كما أنها ( أي الدولة المدنية ) ستكون قادرة على تحقيق المهمات الخاصة بالمرحلة الانتقالية وتتعامل مع متناقضاتها ومتغيراتها وتعارضاتها تعاملاً ايجابياً أيضا .

الرجوع الرجوع

 


الصفحة الرئيسية   
من نحن    نبذة عن المشروع    هيئة الرئاسة    أخبار المجلس    أخبار المؤسسة    الكيانات السياسية    اعضاء البرلمان    لجان البرلمان    الاحزاب السياسية

جلسات البرلمان    التشريعات    الرقابة    الوثائق     تقارير المصدر    بحوث ودراسات    معرض صور    الروابط    اتصل بنا