تتصفح حاليا موقع المرصد النيابي العراقي للدورة البرلمانية الثانية للفترة من 2014 ولغاية 2018 للانتقال الى موقع الدورة الحالية اضغط هنا

    Logo     تنويه     Logo     مجلس النواب يعلن انتهاء عمله للدورة الحالية     Logo     اطلاق التقرير النهائي     Logo     مؤتمر اطلاق التقرير النهائي     Logo     القراءة الثانية لمقترح قانون التعديل الرابع

 

هل تعتقد ان اداء مجلس النواب الحالي هو افضل من الدورة السابقة ؟

  نعم
  لا

مجموع الأصوات 694

 

 

التقرير النهائي للدورة الثالثة 2014-2018
تقرير شهر ايار /2018
تقرير السنة التشريعية الرابعة للدورة الثالثة

 

الدستور العراقي
امن العراق ووسائل تحقيقه
توجهات الاستثمار في الاقتصاد العراقي بعد 2003
مبدأ التسامح انساقه الفكرية ودوره في تعزيز العملية السياسية
مبدأ الفصل بين السلطات



 

جلسة تداولية

 
  فقرات الجلسة
محضر الجلسة
 

 

 


 
 

 

 

المجتمع المدني والمجتمع المحلي شمخي جبر ......خاص لمدارك

المجتمع المدني والمجتمع المحلي

(الأدوار والوظائف)

شمخي جبر

مفهوم المجتمع المدني

(ان عبارة المجتمع المدني استعملت في الفكر الغربي منذ النهضة الى القرن الثامن عشر؛ للدلالة على المجتمعات التي تجاوزت حالة الطبيعة والتي أسست على عقد اجتماعي وحَّد بين الافراد وافرز الدولة [....] وهو كل تجمع بشري خرج من حالة الطبيعة ( الفطرية) الى الحالة المدنية التي تتمثل بوجود هيئة سياسية قائمة على اتفاق تعاقدي)(1) فنجد ان المجتمع المدني توماس عند هوبس(هو المجتمع القائم على التعاقد)(2)؛ اما جون لوك فقد (اعتبر الحكم المطلق لايتفق مع طبيعة المجتمع المدني وانما يجوز برأيه عزل السلطة اذا اخلت بنصوص العقد وبهذا جعل لوك المجتمع مصدر شرعية الدولة)(3)  فيما يرى جان جاك روسو (ان السيادة لايمكن ان تكون موضوع تفويض؛ بل يمكن انتقالها؛ ولا يمكن ان يتنازل الشعب عن السيادة والحكم )(4). ولو انتقلنا الى حقبة اخرى في تطور الفكر الأوربي حول مفهوم المجتمع المدني لوجدنا مثلا ان (المجتمع المدني لدى هيغل يمثل الحيز الاجتماعي والأخلاقي الواقع بين العائلة والدولة وهذا يعني ان تشكيل المجتمع المدني يتم بعد بناء الدولة)(5) فيما ينظر ماركس الى المجتمع المدني على انه (الأساس الواقعي للدولة؛ مجموع العلاقات المادية للافراد في مرحلة محددة من مراحل تطور قوى الانتاج او القاعدة التي تحدد طبيعة البنية الفوقية بما فيها من دولة ونظم وحضارة ومعتقدات)(6)؛ ويرى المفكر والفيلسوف الايطالي غرامشي ان المجتمع المدني (مجال للتنافس الايديولوجي) وهو (مسرح التاريخ؛ وفضاء تكون الايديولوجيات المختلفة وانتشارها والتي تشد الجسد الاجتماعي بعضه الى بعض)(7) اما ألكسي توكفيل  فقد (اشار في كتابه (الديمقراطية في امريكا) الى تلك السلسلة اللامتناهية من الجمعيات والنوادي التي ينظم اليها المواطنون بكل عفوية؛ وربط ضمان الحرية السياسية بالقوانين والعادات؛ أي الوضعية الاخلاقية والفكرية للشعب)(8).

ينظر البعض الى المؤسسات التقليدية (الدينية؛ الطائفية؛ القبلية) بوصفها مكونات مؤسسية (يمكنها القيام بادوار لتحقيق أقصى فاعلياتها مندمجة في نسيج الأمة محققة مقاصدها)(9) وهذه النظرة هي عينها التي اقيم من اجلها (مسجد ضرار)؛ ولنتساءل ماذا جلبت لنا العصبية والقبلية غير المآسي؛ حتى قيل عنها (دعوها انها منتنة) أليس هي أم الاستبداد وأبيه منذ بدايات الدولة الأموية حتى الآن؛ ثم اذا كان هناك ثناء على مؤسسات الأوقاف والمؤسسات الخيرية أليست هي ممولة الفكر الاقصائي ومحاربة المختلف وزرع الكراهية والعنف؟ أوليست هي ممولة الإرهاب؛ فكيف يمكن ان تصبح بين ليلة وضحاها راعية التمدن والتحديث والبناء الديمقراطي؟ وهي تفتي ان الديمقراطية كفر والحاد وفكر مستورد وبدعة لابد من محاربتها. ونجد بعض الباحثين يقول (تعزز العشائرية تقاليد حميدة من نخوة وإباء ونجدة وكرم ومروءة وشهامة ونحوها وتسهم في بناء الخصال الطيبة في المجتمع وتزيد من حصانته)(10) نعم انها تزيد من حصانة المجتمع في مقاومة العقلانية والحداثة والتحديث لكي يبقى متمسكا بالقيم البالية؛ ولا ادري كيف يمكن ان تكون المؤسسات التقليدية أدوات للتحديث؟ ولا ادري أي مجتمع مدني يمكن ان تكون قواعده الطائفية او القبلية او المؤسسة الدينية؛ واذا كان بعض الباحثين يشير الى التجربة اليابانية وكيف كانت المؤسسات التقليدية (من العوامل التي تدفع عملية التحديث وتحميها كما تم في اليابان عام 1868؛ فان ادوات الضبط ابان التغيير كانت دائما تقليدية؛ وقد عملت مؤسسات تقليدية على خدمة عملية التحديث ورعايتها)(11) وشتان مابين العقل الياباني والعقل العربي والإسلامي ومحركات السلوك في كلا الجانبين تختلف باختلاف القيم والا كيف يعقل ان تكون المؤسسات التقليدية بالفاعلية نفسها مع اختلاف مايحكمها من منظمات ومتحكمات تتمثل بالثقافة العربية التي تحكمها الأسطورة والخرافة ولا تستطيع النظر الى المستقبل الا من خلال الماضي؛ فهي ملتفتة دائما الى الخلف (الماضي) لأنها تعتقد ان كل الحلول هناك؛ والمستقبل لديها يكمن في الماضي؛ وبالتالي فهي ترفض كل خطوة إلى الأمام؛ بل هناك مغالطات كثيرة إذ يرى الدكتور محمد مورو (إن مضمون المجتمع المدني؛ امر ليس جديدا على الحضارة الاسلامية؛ فالدولة والمجتمع والحكومة وفقا للنص الإسلامي ووفقا للممارسات الحضارية الاسلاميةـ فيماعدا بعض الاستثناءات القليلة كبعض فترات الدولة الفاطميةـ هي دولة مدنية ومجتمع مدني وحكومة مدنية)(12)  يختلط على الكثيرين؛ او يحار البعض في الإجابة على سؤال: ماهو المجتمع المدني؟ حتى يصبح عدم التميز بين المجتمع المحلي والمجتمع المدني واضحا؛ فحين يعرف عبد الغفار شكر المجتمع المدني على انه (مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة؛ أي بين مؤسسات القرابة  ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها؛ هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها او لتقديم خدمات للمواطنين او ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة  وتستلزم في وجودها ونشاطها  بقيم ومعايير الاحترام والتراضي  والتسامح  والمشاركة  والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف)(13) فإننا نلمس هنا  التأكيد الواضح على(تطوعية الانتماء) والتأكيد على ان التنظيمات القرابية لا تدخل ضمن حيز المجتمع المدني؛ لان الانتماء إليها غير طوعي وليس للفرد اليد في ان يكون من هذه الطائفة او تلك القبيلة او ذلك الدين؛ بل وجد نفسه ومنذ الولادة؛ منتميا الى هؤلاء او أولئك؛ فهو كان قد ورث هذا الانتماء ولم يختاره؛ ولا يخفى على أي متفحص للبنية التكوينية للمجتمع المدني، وما يكتب حوله في العراق او على مستوى الوطن العربي، ان هناك خلطاً  وتداخلاً عجيبا  بين ما يسميه الباحثون (المجتمع المحلي) و(المجتمع المدني)، فالمتحدثون مثلاً في أية ندوة او برنامج إعلامي يعدون مؤسسات ليس لها علاقة بالمجتمع المدني على أنها إحدى مؤسساته؛ كالمؤسسات(الدينية، القبلية، الطائفية) فيصبح هذا الخلط فخاً مقصوداً او غير مقصود يؤدي الى خلط في المفاهيم، بين المجتمع المحلي وبناه الأرثية (ورث) التي يرث الإنسان الانتماء إليها، والفرد داخل هذه المؤسسات لا يختار انتمائه إليها ولا يستطيع الانسحاب منها او تغيير انتمائه، فهو غير مختار في كل الأحوال، بل مجبر، مما يدعونا ان نقول ان المجتمع المدني يجب ان لا يطبق على البنى التقليدية، التي عُرفت قبل تشكيل الدولة الحديثة (تشكيلات ما قبل الدولة). وحسب الدكتور احمد شكر الصبيحي فأن (المجتمع المدني كل ماهو غير حكومي، وما هو غير عائلي او أرثي، والتي يولد فيها الفرد او يرثها وتكون عضويته فيها إجبارية كالقبيلة والعشيرة، كما انه لا يشتمل على التنظيمات التي تقوم على الدين او الطائفة)(14) والتي تسمى (المجتمع المحلي) التي لا تزال سائدة في المجتمع، لذلك يبدو هذا المصطلح مضللاً، لأن المجتمع المدني يجب ان يميز عن كل من الدولة والبنى التقليدية الموروثة، فيشير الى الجمعيات والمنظمات الحديثة، والمجموعات القائمة على المواطنة وحرية الانتساب، عملاً على تحقيق مصلحة مشتركة، ويعمل على تحويل علاقات المؤسسات التقليدية واستبدالها بعلاقات مدنية حديثة وتوسيع العلاقات الاجتماعية وتمتين النسيج الاجتماعي. ونرى البعض يطالب بان يأخذ المجتمع المحلي دور المجتمع المدني او يشغل الفضاء الذي يشغله ؛ على اعتبار ان (المجتمع المدني عندنا غير فعال؛ وغير شغال ويحتاج الى ان يتدرب ويعمل شيئا؛ اما ان ننقل كلاما جاهزا من أوربا الى هنا  فهذا لا ينفعنا في شيء)(15) ولانجد نظرة ريبة وشك بمؤسسات المجتمع المدني اكثر من قول الدكتور محمد مورو (ان عددا من تلك الجمعيات والجماعات والمؤسسات قد ظهروا بصورة ملحوظه في نهاية القرن الماضي؛ وارتبط بظاهرة العولمة ؛ والعولمة في التحليل النهائي هي اخر مراحل الرأسمالية؛ وتستهدف اعادة صياغة العالم ثقافيا لكي يقبل باستمرار النهب والهيمنة وكذلك القبول بالمفاهيم السياسية الغربية؛ والقضاء على الهوية؛ وثقافة المقاومة؛ ومن ثم القبول والخضوع للاخرين)(16)؛ وهذه دعوة للتقوقع والعزلة والهروب من العصر(17) ويذهب البعض الى (ان ما اسميه مجتمعا اهليا في العراق لم يرق حتى الآن الى مستوى المجتمع المدني؛ المجتمع المدني لم يقدم لنا الأمثولة الطيبة؛ قدم لنا أمثولة سيئة؛ المجتمع الأهلي مجتمع حيوي؛ فيه إشكال تضامن اجتماعي عال [...] عوضت عن غياب الدولة او عن قمعها وإهمالها أحيانا)(18) ولابد لنا أن نؤكد مسالة مهمة وهي ان المجتمع المدني لا يشكل بديلا عن الدولة؛ خاصة وانه لا يشكل مناهضا ومعارضا لها؛ حيث ان هناك من يتهم الدولة بالهرم والتحجر وبالتالي فلابد من تهميش دورها ومن ثم إزالتها؛ يرى هذا المنظرون لاقتصاد السوق الذين ينظرون الى العالم إلى انه سوق كبيرة؛ او عدة أسواق فتصبح في هذه الحالة الدولة غير ذات جدوى؛ لأنها تشكل عقبة أمام اقتصاد السوق وحركة راس المال؛ إذن لابد لنا ان نتجاوز (المقولة الرائجة اليوم عن كون الدولة الوطنية سيتم تجاوزها؛ ليست ذات مضمون واحد بالنسبة إلى الدول كلها؛ فاللذين يتوقعون تحلل الدولة الوطنية يستندون الى حقائق العولمة المتمثلة في الشركات العملاقة التي لا جنسية واحدة لها ووسائل الاتصال التي تخترق الأجواء والحدود كافة إضافة الى الثورة المالية وحركة رؤوس الأموال والاستثمارات؛ وكل ذلك وغيره قد خلق واقعا جديدا يتجاوز الدولة الوطنية بالياتها التقليدية؛ وهو ما أصبح يمس مفهوم السيادة)(19) إضافة الى مامر ذكره فان رجال الأعمال في الغالب لا يحبون الدولة فهي عندهم مفسدة للاقتصاد  وهي تاجر مخفق؛ وصانع مخفق؛ الى آخر السلسلة من المثالب التي تلحق عسفا بالدولة؛ان كل هذه المعايب التي تلصق بالدولة؛ كانت أهم أسبابها؛ غياب دولة القانون وشيوع ما يسمى بالدولة (الرخوة) التي تحتضن الفساد والإفساد والمحسوبية وغياب الشفافية في عملها؛ او وجود مايسمى الدولة المستبدة الامنية التي يكون في ظلها انتشار القمع والإرهاب وغياب المشاركة السياسية؛ وتحكمها قيم قبلية وطائفية وعرقية ومن ثم غياب المواطنة؛ وغياب الولاء الوطني وانزياحه لو لاءات فرعية؛ ان مجمل ما ذكر يمكن إصلاحه؛ واهم آليات الإصلاح هو بناء وتطور المجتمع المدني؛ لان وجوده الفاعل يعني وجود دولة القانون؛ وجود المشاركة السياسية؛ وبناء المواطنة وتحقيق الانتماء الوطني؛ لان هناك علاقة عضوية ثابته بين المشروع الديمقراطي والمجتمع المدني إذ لا يتحقق أي منهما في غياب الآخر؛ فلايمكن الحديث عن مجتمع مدني حقيقي في أطار دولة ضعيفة وهشة اوتسلطية وتابعة وناقصة او فاقدة الشرعية؛ إن بناء المجتمع المدني وتفعيلة تتضمن في الوقت نفسه اعادة بناء الدولة بحيث تصبح دولة مؤسسات وقوانين يتم فيها الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) تلتحم بمجتمعها المدني وتتفاعل معه تعبيرا عنه وانبثاقا منه. من خلال ما يقدمه المجتمع المدني وتنظيماته من سند واستشارة ورقابة وتوجيه ومتابعة لخطط الدولة وبرامجها؛ وتحقيق تعبئة اجتماعية باتجاه؛ البرنامج التنموي للدولة في جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ لما يمثله المجتمع المدني من انتشار واسع؛ لأطياف المجتمع وفئاته؛ على اعتباران مؤسسات المجتمع المدني قرينة الحداثة وادوات للتحديث في الوقت نفسه. ومن هنا نرى أن المجتمع المدني يتكون من مؤسسات ومنظمات غير حكومية ونقابات مهنية وثقافية، وتعاونية، ووسائل إعلام خاصة، والتي تشغل الفراغ المحصور بين المجتمع السياسي (الدولة) والشعب او المجتمع.

 

دور المجتمع المدني:

إن المجتمع المدني ليس المقصود منه إيجاد معارضة سياسية في مواجهة الدولة إذ أن فاعلية المجتمع المدني تنطوي على أهداف أوسع وأعمق من مجرد المعارضة؛ إنها المشاركة بمعناها الشامل؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا؛ وهذه المشاركة هي التي تسمح للمجتمع المدني وتتيح له فرصة مراقبة  البنى الاجتماعية كافة بما فيها الدولة نفسها وضبطها وتصحيح مسارها؛ ان وظيفة المجتمع المدني هي وظيفة تسييرية شاملة للمجتمع كله؛ يحافظ فيها المجتمع المدني على استقلاليته عن الدولة؛ وعلى وفق تعريف الدكتورة ثناء فؤاد عبد الله فان المجتمع المدني (كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخبرات والمنافع دون تدخل او توسط الحكومة)(20).

وتتخذ منظمات المجتمع المدني أهدافا وأدوارا تعمل على تحقيقها في تمتين الهوية والولاء الوطنيين ورفع مستوى المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاجتماعية، وان أية دولة لديها مجتمع سياسي، يمكن ان تقدم بعض الحرية لمواطنيها، ولكن لا نستطيع ان تبني مجتمعاً ديمقراطياً بدون مؤسسات المجتمع المدني التي هي هيكل البناء الديمقراطي وهي على رأس القائمة في متطلبات التغيير الاجتماعي والسياسي. ولابد لنا أن نقول؛ (لا وجود للمجتمع المدني من دون حماية الدولة له؛ ولا بناء لمجتمع مدني من دون بناء للدولة؛ فالدولة والمجتمع المدني واقعان متلازمان؛ الدولة تستمد من المجتمع المدني قيمها وقواها وسياساتها؛ والدولة الوعاء او الإطار الذي يحتضن ويؤطر حركة المجتمع المدني ونشاطه)(21).

وبدون مؤسسات المجتمع المدني تنفرد الدولة بالمجتمع لتفرض سيطرتها من خلال استخدام آليات القسر والإكراه وليس الاتفاق والإقناع، لهذا يرفض الديمقراطيون هذا الأسلوب في عمليات التغيير التي يطمحون لها، فنراهم يؤكدون دائماً على العمل من خلال تغيير وإصلاح (البنى الفوقية) بالعمل الفكري والثقافي والإعلامي والتي يلعب المجتمع المدني ومؤسساته دوراً كبيراً فيه، فيؤسسون لثقافة المجتمع المدني، التي يجب ان (تؤسس) داخل البنية الثقافية العراقية من خلال اختراق وعي المجتمع وثقافته، والتحول من ثقافة النخبة الى ثقافة الجماهير كما يقول (غر امشي) (وتملك المشاعر والأحلام للجماهير والتحول من مركبات هويتها الثقافية باتجاه التغيير نحو مجتمع أفضل)(22) على وفق المقولة التي قالها ماركس (إن الإنسان لا يحكم بالقوة فحسب بل بالأفكار أيضا)، متجاوزين الخطاب النخبوي الانزوائي الذي يصل في بعض الأحيان مستوى الخطاب الاستعلائي، بالسعي نحو قاعدة (إن أسمى فاعلية يملكها الذهن هي إيقاظ الذهن). ولابد لنا من ان نؤكد الدور الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني؛ في عمليات الأعمار والمساهمة في الخطط التنموية؛ على اعتبار ان التنمية بقدر ما تحتاج الى مؤسسات ونظم فإنها تحتاج أيضا الى أنماط سلوكية تتسق مع إجراءاتها وتدعم أنشطتها؛ لان (حركة المجتمع هي نتاج ما يعتمل في أعماقه من تفاعلات بين الأفراد والجماعات التي تفرز علاقات تضامن او صراع بينهم؛ وكذلك المؤسسات والمنظمات التي يقيمونها لتنظيم حياتهم المشتركة؛ ان هذه الحركة الاجتماعية الشاملة وما يعتمل في داخلها من تيارات فرعية؛ تكون بمجموعها نظاما متسقا يخضع لقوانين موضوعية (قوانين حركة المجتمع التاريخية وقوانين وضعية (يضعها المشرع) تعمل على تسيير حركة المجتمع الصاعد دائما الى ماهو أفضل من الواقع الراهن؛ أي تحقيق التقدم وبناء الحضارة الإنسانية)(23).

 

عواقب غياب المجتمع المدني:

مهما كان انتماء الفرد داخل المجتمع ومهما كانت التزاماته نحو أي من هذه المؤسسات؛ فهو لن يتعرض لقهراواكراه على الطاعة من قبلها مثل تعرضه لما تفرضه الدولة عليه)(24) إن عدم وجود المجتمع المدني او تهميش دوره؛ يأتي تبعا لطبيعة السلطة السياسية، لان التعاون او الصراعات الناجمة عن العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والجماعات في المجتمع؛ هي نتيجة مباشرة لوضع السلطة في المجتمع. حيث ان السلطة كما يعرفها رسل (هي إحداث تأثير مقصود)(25). ان جوهر مشكلة المجتمع المدني تتركز في انتشار سلطة الدولة في كل مجالات الحياة المجتمعية مما يجعل من هذه السلطة أداة مراقبة مستمرة وعائقا أمام إمكانية تحرر الأفراد واستقلال المؤسسات الاجتماعية؛ حيث لا (تبدأ السلطة من العنف الناجم عن إرادة فجة للسيطرة على الآخرين الى عمل إقناعي لزج المواطن في عمل جماعي مشترك)(26) مما يقف عائقا أمام روح المبادرة او قيام أي حركة تعبئة اجتماعية تحاول الحد من سلطات الدولة او التملص من هيمنتها؛ إن احتلال الدولة لهذا الفضاء الواسع وبما تملكه من قوة وسلطة؛ يجعلها المحرك والمؤثر الوحيد في عمليات التغيير الاجتماعي؛ وفي ظل تبعية المجتمع للدولة؛ واعتبار الجسم الاجتماعي مجرد ملحق لها ومع غياب المؤسسات الوسيطة (مؤسسات المجتمع المدني)؛ تظهر الدولة وكأنها الممون والمدير المالي للمجتمع والراعي الأول لحركته وطموحاته؛ والدولة هنا (تمثل قمة البناء الاجتماعي ( social structure) ويكمن سمو هذه المكانة للدولة على باقي النظم داخل المجتمع  في كونها تتسيد جميع أشكال نظم المجتمع)(27) وهي وسيلة تنظيم سلوك البشر داخل المجتمع؛ فعلى أساس القواعد التي تنبثق عنها ينظم الأفراد سلوكهم وعلاقاتهم الاجتماعية؛ وبحسب برهان غليون فان الدولة أصبحت (مؤسسة خاصة توظف سيطرتها المطلقة وتغلغلها في كل ثنايا المجتمع من اجل خدمة مصالح الفئة الحاكمة؛ وليس من اجل تعظيم المصالح العامة وصارت تنظر الى أي حركة أو نامة أو إشارة تصدر عن المجتمع المدني على انها معارضة سياسية ورفض لسلطة الدولة وتهديد مباشر لوجود الأمة والقومية والثورة ودفعها ذلك الى الانكفاء بشكل اكبر على نفسها وقواها الردعية الخاصة وتنميتها وبالتالي تخصيص القسم الأكبر من موارد الدولة لا لتوفير حاجات المجتمع وإنما لتعظيم وسائل القضاء عليه)(28) وانفراد الدولة بالمجتمع وقيادة عمليات التغيير، هذا يعني في الكثير من الأحيان أن الدولة ستمارس العنف من أجل فرض برنامجها ألتغييري، الذي قد يتحول الى تدميري، فيما لو وصلت ردود الفعل تجاهه الى مستوى العنف المباشر او الظاهر يقول ولتر (ان السلطة قد تمارس وهي ذات خصائص إيحائية مفيدة ومقبولة او قد تمارس بصفة قمعية حسب الظروف؛ وقد تطلق طاقات خلاقة وتصعد الحيوية بين أفراد المجتمع او تدمر بواعث الحركة؛ وتولد جوا من الانقباض او تحرك صراعا وتمردا؛ وقد تنطوي على معنى الحرية كما تنطوي على معنى الطغيان)(29).. ونرى هذا من خلال ممارسات سلطة الدولة في العراق الآن وانفرادها بالسلطة والقوة، وممارستها العنف ضد من يعارضون العملية السياسية وعمليات التغيير الاجتماعي التي تتضمنها أجندتها*، والمفروضة وبشكل عمودي من خارج (البنية الفوقية) للمجتمع، وهنا يقول (غرامشي) ان القديم يتآكل ويتجوف دون ان ينتصر الجديد، عندها يزداد دور العنف في أحكام قبضة الطبقة الحاكمة على السلطة في حين تنتشر اللامبالاة السياسية والنفعية  المادية المباشرة عند أوساط واسعة من الجماهير وهكذا تحولت عمليات التغيير الاجتماعي الى حالة من التفتيت للقيم القائمة بدون زراعة قيم بديلة مكانها مما أدى الى ما يمكن تسميته بفراغ قيمي يكتسح المجتمع بكافة شرائحه؛ وهذا ما شهدناه في عهد النظام السابق وأمتد الى العهد الجديد من عمليات فساد وإفساد من أعلى قمة في الهرم السياسي الى أدنى حلقة من حلقات السلطة حتى وصل آخر درجة على مقياس (رختر)  فتحول الفساد الى ثقافة ضربت إطنابها في الأوساط الاجتماعية والسياسية كافة، نتيجة لتغييب دور المجتمع المدني وما يرافقها من فقدان للشفافية التي تتيح الرقابة والمحاسبة من قبل هذه المؤسسات وفي المقدمة منها وسائل الإعلام، التي يجب ان تتوفر لها في ظل الديمقراطية كل المعطيات التي تستطيع من خلالها ان تراقب عمل مؤسسات الدولة. إننا في العراق وبعد كل التغيرات السياسية منذ2003/4/9 مروراً بالانتخابات في2005/1/30 وتشكيل الجمعية الوطنية والحكومة، فأن كل هذه المؤسسات وما رافقها من حراك سياسي، كان نتاج مؤسسات المجتمع المحلي، المجتمع الارثي (طوائف، قبائل، أعراق). اعتمد فيه تقاسم السلطة او المشاركة السياسية الأساس الطائفي والعرقي؛ وغيب مفهوم المواطنة؛ مما أدى الى طغيان العنف والعنف المضاد كآلية من آليات الحوار؛ كل هذا أفضى الى زرع روح الشك والريبة بالمشروع السياسي المطروح وهنا لابد لنا نؤكد على ان نظاما طائفيا إنما يقاوم الإصلاح  ما ان يؤسس ويدعم التقسيمات والقيم الطائفية والعرقية والدينية للإبقاء على ذاتها.

 

من غيَّب المجتمع المدني؟

إن الدولة لدينا (في العراق) لم تكن تلك الدولة التي تحمل مشروعا وطنيا؛ ولم تكن النخب التي أقامتها او قدمت لها الإسناد تحمل مشروعاً كهذا؛ فأنها بقت قشرة رقيقة؛ مما جعلها معرضة للتقلبات الشديدة والتغيرات السريعة؛ لأنها عاشت وتغذت على العصبيات (الهويات الفرعية) التي انطلقت بعد ان نمت وترعرعت داخل مجتمع عصبوي (القبلية أو لطائفية أو العرقية أو المناطقية) وتشكلت الولاءات للمكونات الفرعية مما أدى الى ضعف الولاء الوطني ووهنه؛ وبقيت الدولة خاملة نحيلة تشكل في المشهد الاجتماعي قشرة رقيقة هشة؛ وهذه ألهويات غير مفتوحة الأفق لتكوين امة او تكوين هوية وطنية شاملة؛ انشغلت بالانتماءات الفرعية تقودها نخب كانت ذات مصالح تخدمها الفرقة أكثر مما يخدمها الاجتماع ولابد لنا الا ان نتفق مع الدكتور برهان غليون في قوله (لا تنجح الدولة في الاستقرار والاكتمال إلا بقدر ما تنجح ممارستها في تحقيق مفهومها او برنامجها وقيمها سواء أكانت وطنية او دينية؛ ففي هذه الحالة يتحول خضوع الأفراد بالقوة للجهاز الى ولاء للدولة كسلطة شرعية ومقبولة ومصدر هذا الولاء هو حصول الانتماء الى الدولة كمصدر لقيم اجتماعية أي كمركز لمشروع جماعي ممكن ومقبول)(30) وفي السياق العراقي مازلنا نعيش مؤسسات وثقافة (ما قبل الدولة) ولم نصل الى المجتمع المدني وثقافته ، وقعنا تحت طائلة النسق القرابي الذي ( يفرق) أو (يبعد) بين أبناء المجتمع وفق الانتماء لهذا النسق القرابي أو ذاك، فبقى الفرد في حالة من التنازع بين هذه البنى التي ينتمي  إليها وولائه للوطن من جهة أخرى.

 

لماذا يبقى الفرد مشدوداً للثقافة (القبلية أو الطائفية أو الاعراقية)؟

ان حرمان الفرد من المشاركة السياسية، وما تعرض له من تهميش وإقصاء، وتسلط أنظمة استبدادية جعلته  يبحث عن مظلة تحميه وتوفر له الآمان والحماية ووجود الطائفة والقبيلة التي (مازالت تقدم لقطاعات واسعة من الناس الحماية والإعانة، ومازالت تقدم نظماً للحقوق والواجبات، وأمام احتلال الدولة الفضاء الاقتصادي والسياسي لم يعد أمام الفرد من مهرب سوى البنى الاجتماعية التقليدية التي يحتمي بها من بطش السلطة ويجد في فضاء هذه البنية الألفة والرأفة، بمثابة وسادة امتصاص لحدة السلطة الواقعة على المواطن وتخفيفها من ناحية، وأداة توصيل لمطالب المحكومين والتماسها حيال الحكم من ناحية أخرى)(31) وهكذا أصبح العراق نتيجة ما عاشه ويعيشه من أوضاع امتدت حقبة طويلة من الاستبداد همشت الكثير من المكونات الاجتماعية، جعل المجتمع يقع في مصيدة (المجتمع العصبوي) الذي يعمل على آليات التفكيك والتبعثر، لهذا نجد الآن (المجتمع المحلي) متمثلاً بالمؤسسات الدينية والطائفية والأعراقية يلعب دوراً تقسيمياً تفتيتياً، فتأخذ هذه المؤسسات النظام السياسي نحو التقهقر عن برنامجه الديمقراطي (الذي يدعي انه يحمله) والسير به نحو إلغاء الحريات السياسية والمدنية، وحين يصبح النظام السياسي طائفيا بعيداً عن روح وثقافة المجتمع المدني يعمل على إلغاء الحقوق المدنية للمواطنة بعدم مساواته بين المواطنين وحرمان فئات واسعة من المشاركة السياسية ولأن المجتمع المدني يتضمن على خصائص وعلاقات حاسمة تتمركز حول علاقات المواطنة ذات السمة المدنية والتطوعية التعاقدية والحقوقية (لا العلاقات العصبوية) والتي تفضي الى المساواة، وبهذا فهو يلغي التقسيمات الأخرى، (بحيث لا تنساب حقوق أي شخص من الأشخاص وواجباته ومسؤولياته ووظائفه من انتمائه الى أيٍ  من المؤسسات التقليدية بل ينساب من المقولة المركزية والحاسمة للمجتمع المدني، أي مقولة  المواطنة والانتماء إليها وتحل هوية المواطنة محل الهوية المستمدة من قطاعات المجتمع الأهلي دينية كانت، طائفية، جهوية وتحل فكرة حقوق الإنسان والمواطن والمواطنة)(32). ان وجود المجتمع المدني وفعاليته تشعر أفراد المجتمع أن هناك بديلاً وظيفياً معقولاً للتكوينات الإرثية التقليدية، ولا بد أن يؤدي ذلك تدريجياً الى تقوية الولاء للتكوينات الحديثة وإضعاف الولاء للتكوينات التقليدية التي ستتقلص وتصبح أقل جاذبية للمواطن، واهم من ذلك يصبح استنفارها بوساطة القيادات الغوغائية في الصراع الاجتماعي أكثر صعوبة.

 

المواطنة قاعدة المجتمع المدني:

من دون المجتمع المدني يكون الأفراد مجرد أشياء وليسوا مواطنين في دولة ديمقراطية؛ فالديمقراطية اذن تعني المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة  الفرد ومصيره ويستحيل ان توجد دون مجتمع مدني؛ (وتتجسد المواطنة في حصول الناس بغض النظر عن الفوارق الطبيعية والمكتسبة؛ على نفس الفرص من المساواة في التعامل امام القانون في ظل الحريات العامة)(33) واذا كانت الديمقراطية تعتمد على المواطنة أساسا  لبنائها فأن خصوصية المجتمع المدني وشرطه التاريخي كما يقول (عزمي بشارة) هو مفهوم المواطنة، فتطور مفهوم المجتمع المدني مرتبط بتطور مفهوم المواطنة، وقد قال (روسو) (لن نصبح بشراً إلا إذا أصبحنا مواطنين) لأن الدولة الديمقراطية هي الدولة التي تحترم مواطنيها وتدافع عن أمنهم وتوفر لهم الفرص، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات ، دون التمييز بينهم دينياً او عرقياً، وموقع الفرد فيها يحدد على أساس الإنجاز والكفاءة والنزاهة والوطنية، وأن هذه الاعتبارات أهم ما يميز المجتمع الحديث عن المجتمع التقليدي؛ في المجتمع المدني يتجاوز أفراد المجتمع الاعتقاد الديني الى مبدأ المواطنة، ويعترفون بمبدأ الاختلاف في العقيدة الدينية التي يجب ان لا تحول دون الانتساب لمواطنة مشتركة؛ لان (المواطنة توفر الية العيش وسط التنوع والاختلاف؛ وتولد جانبي الواجبات والحقوق)(34).

وهكذا كانت صحيفة المدينة التي وضعها الرسول محمد ( ص)، الوثيقة الأولى التي تؤكد على المواطنة وعبور الاختلاف الديني نحوها، إذ جعلت هذه الوثيقة الجماعة المختلفة في الدين أمة واحدة.

وحسب عبد الكريم غلاب فأن (المواطن يأخذ جذره من الوطن، الذي يمنح المنتمي إليه الإقامة والحماية، وان البلاد التي استقامت فيها المواطنة بمفهومها الوطني والإنساني سارت الحياة فيها نحو الأسمى ولا حد للسمو) و(المواطنة لا تستقيم في مجتمع مختل التوازن)(35). ولا بد لنا ان نؤكد ان الحديث عن المواطنة وأهميتها في بناء وعي حضاري إنساني يسهم في تجاوز المجتمع العضوي الى المجتمع المدني، وفي هذا المجال يرى (ليرنر) ان المجتمع التقليدي هو مجتمع غير مشارك فهو يقسم الناس عن طريق القرابة الى مجتمعات معزولة بعضها عن بعض لتتكون بنى عضوية سابقة لتكون المجتمع المدني، بل هي جزء مهم من معوقات بناء المجتمع المدني الذي ليس وحدة عضوية قرابية يكتسب الفرد مشروعيته وحقوقه من الانتماء إليها، لأن الفرد بحد ذاته في المجتمع المدني (هو أنوتوميا، انه وحده مستقلة، اي ذات حقوقية مستقلة)(36) بينما تعمل الانقسامات الطائفية والدينية والأعراقية ضد التصرف العقلاني للمواطن، وتحرمه من ممارسة حريته الفردية وتقف عقبة في وجه نمو القيم والمثل الديمقراطية، لأنها تزرع مثلاً وقيم تشتت ولاء الفرد ليقف موقفاً لا عقلانياً ضد أبناء وطنه تلبية لروح الهوية الفرعية التي تدعوه ليتخندق في خندقها، فيتحول الوطن الى مجموعة خنادق ومتاريس، الخاسر الوحيد فيها هو الوطن والرابح هم العازفون على أوتار الفرقة والتشرذم والعودة الى الخلف.

 

المحاصصة التي أجهزت على المجتمع المدني:

يقول ألان تورين (إن الديمقراطية تفترض وجود مجتمع مدني له بنية قوية؛ يرتبط بمجتمع سياسي متكامل كلاهما مستقل بقدر الامكان عن الدولة باعتبارها السلطة التي تعمل باسم الأمة)(37) وهذا شعار يرفع بعد غياب الاستبداد وأجهزته القمعية؛ ولا بديل لغير هذا الشعار؛ لان السير لابد أن يكون الى الإمام؛ أما الالتفات الى الخلف فيعني اقل ما يعنيه؛ عودة ما مضى مما يتضمنه من استبداد وقمع وهذا مالا يرتضيه اغلب الفاعلين السياسيين هذا إذا تجاهلنا موقف الفئة الصامتة التي تمثل الأكثرية مع انه لا يمكن تجاهل فاعليتها وفعلها في أي عملية تغيير سياسي؛ فهي وان كانت صامته الآن فان صمتها سينتهي ولا احد يستطيع ان يتنبأ بما يأتي بعيد الصمت أن أي متتبع للحراك السياسي، يستطيع أن يرصد، أن المحاصصة الطائفية والعرقية قدمت دعماً كبيراً للهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية وشكلت شرخاً كبيراً يصعب التئامه في النسيج الاجتماعي؟ لأن المحاصصة أكدت في عقل الفرد انه حين تتاح له الفرصة للمشاركة السياسية او يتسنم منصباً حكومياً فانه لم يتم اختياره لهذا المنصب تبعاً لكفاءته او نزاهته ووطنيته وإنما لانتمائه لهذه الفئة او تلك الطائفة.

مما يعزز فيه قوة الانتماء ويبقى مديناً لها بما حصل عليه ووصل إليه، معبراً عنها فقط ، لا تعنيه المكونات الأخرى لان هويته الفرعية هي المتفضلة  مما يترتب عليه ، ان تتحول المؤسسة او الوزارة التي يديرها الى تكتل او عرين لهذه الطائفة او تلك الفئة ، وليذهب الآخرون الى الجحيم.

إن تعدد الخنادق، كان يمكن أن يكون خندقاً واحداً هو خندق الوطن والمواطنة خندق المجتمع المدني الذي يحتضن الجميع بدون اللجوء الى العنف، وبدلاً ان تملأ المساحة الممتدة من الدولة الى المجتمع بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والبارود والأشلاء والدماء كان يمكن ان تملا بالحوار من خلال المجتمع المدني ومؤسساته. إن امتلاء هذه المسافة بالعنف نتيجة لاصطدام الدولة بالمجتمع المحلي الرافض للعملية السياسية، جاء نتيجة لانعدام لغة مشتركة وقنوات اتصال لا يسدها العنف يمكن ان يجري خلالها وبها حوار وتفاهم ، وحراك سياسي يساهم فيه الجميع بدون تهميش او إقصاء لأي طرف، ويقوم على قاعدة قبول الاختلاف.

 

مؤسسات المجتمع المدني في العراق؛

الواقع والمعوقات:

ان التغيير الذي حدث في العراق بعد التاسع من نيسان 2003 وما وفره هذا التغيير من فضاء من الحرية اخذت تسبح فيه كل مكونات المجتمع (الدينية والعرقية والسياسية والثقافية) على الرغم من عدم اجادتها السباحة في هكذا فضاء كانت قد حرمت منه لسنوات طويلة ولم تكن تحلم او تتوقع ان يتوفر هذا الفضاء بالرغم من التضحيات الكبيرة التي قدمتها على مذبح الحرية؛ الا ان العيش الطويل في ظل الاستبداد وما تركه من آثار على البنى الثقافية والاجتماعية؛ وحتى على البنية النفسية للفرد والمجتمع؛ مجمل هذه الظروف جعلت الفرد والمجتمع يقع  تحت تأثير الموروث النفسي والثقافي للاستبداد؛ وبالتالي فان الكثير من المكونات الثقافية والاجتماعية والسياسية حاولت ان تستحوذ على او تحتكر هذا الحيز من الحرية من خلال ممارستها الإقصاء والتهميش والإلغاء لكل من يختلف معها او يخالفها الرأي؛ وهكذا أصبح هذا الحيز موبوءا بالكثير من عمليات العنف الذي اتخذه البعض لغة للحوار مع المختلف بدل توفر الأمن الاجتماعي الذي يعد حاضنة سليمة للحوار السلمي الذي يحترم المختلف. وذلك من خلال مؤسسات المجتمع المدني التي (تمثل القناة التي يتجمع فيها الافراد وتفضيلاتهم وجهودهم لتحقيق الغايات المشتركة [....] وحسب مقولة (جونسون) يحصل العنف عندما تكون المؤسسات السياسية في مجتمع معين غير فاعلة في ارضاء رغبات الشعب واماله؛ الامر الذي يؤدي إلى حالة من النفور السياسي)(38) ويرى (الكسيس توكفيل) في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) (إن الحكومة القائمة من قبل الناس تعني أكثر من مجرد المشاركة في الانتخابات اذ أن هذه المشاركة تاخذ صيغتين اولاهما (المجتمع السياسي) عندما ينتظم الناس في الاحزاب السياسية بغية الفوز بالانتخابات وتشكيل الحكومة وثانيتهما (المجتمع المدني) بدخول المواطنين في عضوية المنظمات المهنية (غير السياسية)، أي التي لا تتعامل مع السياسية مباشرة بل تعمل على مساعدة الحكومة دون مقابل في مجالات خدمة الناس وبناء خلفية مؤثرة في السياسة لصيانة ودعم وتطوير الحريات والديمقراطية)(39) ومنظمات المجتمع المدني لها أثر كبير في تحقيق المشاركة السياسية؛ ومراقبة الحراك السياسي والاجتماعي والمساهمة فيه بشكل فاعل (ويرى هانتنغتون ان تحقيق الاستقرار السياسي يقترن بايجاد مؤسسسات سياسية (كالاحزاب مثلا) تنظم المشاركة السياسية وتمنع انتشار العنف والفساد بتوسيع المساهمة الشعبية في وضع السياسات العامة وفي اختيار الاشخاص للمناصب الرسمية وتوفير اليات المشاركة للنظام السياسي؛ والقدرة على معالجة الازمات والانقسامات والتوترات في المجتمع؛ والاستجابة للمطالب الشعبية؛ عبر الديمقراطية؛ وعدالة توزيع المهمات لضمان المساواة)(40).

 

الخاتمة

1. ان الفضاء الذي لابد ان يشغله المجتمع المدني مشغول من قوات الاحتلال او من المجتمع المحلي؛ والقوى التي تمارس العنف في مواجهة الاحتلال او مواجهة عمليات التغيير التي تعتقد انها تستهدف مصالحها او تستهدف قيمها او لاتتوافق مع اطروحاتها السياسية والاجتماعية والدينبة.

2. ان عدم وضوح سياسة الحكومة وبرنامجها التغييري في بعض الاحيان؛ او طغيان التشيكل الطائفي  في موسسات الدولة؛ وما يقدم من دعم لمؤسسات المجتمع المحلي وتشكيلاته القبلية والطائفية لان هذه التشكيلات الاجتماعية هي ام الفاعلين السياسيين وابيهم؛ مما يؤدي الى الغاء او تهميش لدور المجتمع المدني.

3. ان ما يأتي من دعم او تمويل لمؤسسات المجتمع المدني يأتي من الخارج لان الحكومة غير مهتمة بدوره؛ مما يجعل من هذه المؤسسات محط شبهة وقد توصم في بعض الاحيان بالعمالة للاجنبي او التجسس لصالحه؛ او قد تتهم بممارسة او تمويل الارهاب.

4. عدم وضوح الاطار القانوني الذي يؤطر وينظم العلاقة بين الحكومة  ومؤسسات المجتمع المدني.

5. كثرة اعداد مؤسسسات المجتمع المدني مع انعدام فاعلية الكثير منها الامر الذي افضى الى ان تحصل الكثير من المنظمات الوهمية على الدعم في الوقت الذي تحرم بعض المؤسسات الفاعلة من هكذا دعم.

6. اصبح تأسيس منظمات المجتمع المدني وسيلة من وسائل (الدلالية) وطرق ابواب المممولين والمانحين والداعمين لنشاط  كهذا؛ مما جعل من هذه المنظمات وتاسيسها وسيلة من وسائل الثراء والكسب المادي غير المشروع.

7. سيطرة القيم القبلية والطائفية على الحراك السياسي والاجتماعي؛ وسيادة اليات المحاصصة حرمت منظمات المجتمع المدني من اخذ دورها الفاعل حيث تحولت كل وزارة او مؤسسة حكومية عرين لهذه القبيلة او تلك الطائفة او ذلك الحزب؛ والغاء مبدا المواطنة التي هي العمود الفقري للمجتمع المدني.

8. انتشار اعمال العنف والارهاب ادت الى شلل كبير في حركة وانشطة منظمات المجتمع المدني وعزلتها عن المجتمع؛ فاقتصرت حركتها داخل مقراتها.

9. غياب التحالفات بين منظمات المجتمع المدني وانتشار الروح الانانية ورفض العمل الجماعي بين القيادات؛ مما ادى الى الكثير من تشتت الجهود وتكرار بعض الفعاليات وضعف التاثير داخل المجتمع او التاثير في الحراك السياسي والاجتماعي وتوجيهه؛ لان التحالفات تخلق كتلا كبيرة تكون ذات فعالية اكبر وتاثير اوسع؛ وممارسة الضغط او مراقبة مؤسسات الحكومة او الفعاليات السياسية.

 

الهوامش

1. الصبيحي؛ احمد شكر؛ مستقبل المجتمع المدني، ص20.

2. العطية، فوزية، الجذور، التاريخية لمنظمات المجتمع المدني مع التركيز على المنظمات النسوية، وقائع المؤتمرالوطني الاول لمؤسسات المجتمع المدني؛ الذي نظمته وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني؛ بغداد 19ـ20 كانون الاول 2004. ص 46.

3. م، ن، ص 46.

4. م، ن، ص ص 46.

5. الصبيحي، م، س، ص21.

6. م، ن، ص22.

7. م، ن ص23.

8. م، ن ص 23.

9. م، ن، ص88.

10. م، ن، ص87.

11. م، ن، ص 87.

12. شكر، عبد الغفار، محمد مورو. المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية، ط1، دمشق، دار الفكر، 2003، ص105.

13. م، ن، ص 76.

14. الصبيحي، م، س.

15. مركز دراسات الوحدة العربية، العراق والمنطقة بعد الحرب، ص173، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2004، ص173.

16. المجتمع الاهلي؛ مصدر سابق ص109 .

17. ومن يطلع على كتابات الدكتور مورو حول المجتمع المدني يجده يتحدث عن شيء اخر ليس له علاقة بهذا الموضوع؛ حيث يرى مثلا ان المجتمع المدني ( مفهوم واسع يضم الحكومة والشعب والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية؛ وهو تعريف لمرجعية العلاقات حكومية وغير حكومية) [المجتمع الأهلي، م.س، ص107] ولم نجد من اطلاعنا أي باحث يضع الحكومة والمؤسسات الحكومية ضمن مؤسسات المجتمع المدني الا الدكتور محمد مورو .

18. العراق والمنطقة بعد الحرب ص173.

19. فؤاد، ثناء، اليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي، ط1.بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1997 ؛ ص 231.

20. م، ن، ص 282

21. م، ن، ص 287

22. عزمي بشارة، المجتمع المدني دراسة نقدية، ط2 ، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،200، ص 204.

23. الأسود، صادق، علم الاجتماع السياسي، أسسه وأبعاده، بغداد، جامعة بغداد، 1990، ص 125.

24. اسماعيل علي اسعد،  ص147.

25. م، ن، ص129.

26. م، ن، ص 129.

27. اسماعيل علي اسعد ص147.

28. فؤاد، ثناء، م، س، ص285.

29. الاسود، صادق، م، س، ص 129.

* ( ونحن هنا لا نقصد عمليات استئصال الإرهاب والإرهابيين ؛ بل نقصد ممارسة العنف ضد المجتمع التي تمارسها قوات الاحتلال وتسندها الحكومة من خلال غياب الإرادة السياسية والقرار السياسي المستقل في الكثير من الأحيان ويؤشر هنا الى ان المؤسسة السياسية لم تجر حوارا وطنيا تستطيع من خلاله تحييد الكثير من الأطراف او تنقذ أبناء المناطق التي تقع أسيرة للإرهابيين).

30. غليون، د. برهان، المحنة العربية، الدولة ضد الأمة، ط2، بيروت،: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994، ص30.

31. الصبيحي، م، س، ص 186.

32. م، ن، ص 13.

33. د عبد الوهاب حميد رشيد، التحول الديمقراطي والمجتمع المدني .ط1، دمشق : دار المدى للثقافة والنشر، 2003، ص81.

34. م، ن، ص82.

35. غلاب، عبد الكريم، أزمة المفاهيم وانحراف التفكير، ص 65.

36. الصبيحي، م، س، 93.

37. مركز دراسات الوحدة العربية، ديمقراطية من دون ديمقراطيين، ط2، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص20.

38. الصبيحي، م، ن، ص 97.

39. د.عبد الوهاب، م، س، ص 71.

40. م، ن، ص98.

 

الرجوع الرجوع

 


الصفحة الرئيسية   
من نحن    نبذة عن المشروع    هيئة الرئاسة    أخبار المجلس    أخبار المؤسسة    الكيانات السياسية    اعضاء البرلمان    لجان البرلمان    الاحزاب السياسية

جلسات البرلمان    التشريعات    الرقابة    الوثائق     تقارير المصدر    بحوث ودراسات    معرض صور    الروابط    اتصل بنا