Logo     تداعيات اتهامات رئيس الوزراء مجلس النواب بمناقلة أموال الموازنة     Logo     مستحقات الفلاحين في إقليم كردستان     Logo     الغاء حضور الجعفري لمبنى البرلمان     Logo     تأدية اليمين لبديل وزير الداخلية     Logo     مناقشة وضع نازحي الموصل

 

هل تعتقد ان اداء مجلس النواب الحالي هو افضل من الدورة السابقة ؟

  نعم
  لا

مجموع الأصوات 174

 

 

تقرير شهر شباط /2017
تقرير شهر كانون الثاني/2017
تقرير الفصل التشريعي الاول للسنة الثالثة

 

الدستور العراقي
امن العراق ووسائل تحقيقه
توجهات الاستثمار في الاقتصاد العراقي بعد 2003
مبدأ التسامح انساقه الفكرية ودوره في تعزيز العملية السياسية
مبدأ الفصل بين السلطات



 

الجلسة ( 19) /افصل ثاني/سنة ثالثة

 
  فقرات الجلسة
محضر الجلسة
 

 

 


 
 

 

 

مبدأ التسامح انساقه الفكرية ودوره في تعزيز العملية السياسية د حميد فاضل حسن....خاص لمدارك

مبدأ التسامح

أنساقه الفكرية ودوره في تعزيز العملية السياسية العراقية

د. حميد فاضل حسن

المقدمة

في حقب التاريخ المختلفة كثيراً ما تعرضت الدول لاسيما تلك التي تتميز بتنوعاتها الاثنية والقومية والدينية المتعددة الى أزمات ومشاكل لا حصر لها، تركت أثارها السلبية على نسق العلاقات الداخلية لهذه الدول، وأضفت على حركتها الخارجية نوعاً من الارتباك والتعثر. بيد أن هذه الدول سرعان ما تداركت أوضاعها، فيتكاتف أبناؤها ويتناصروا فيما بينهم للتخلص من هذه ألازمات والمشاكل. ويكون ذلك في الأغلب الأعم عبر الاحتكام إلى صوت العقل الذي يدعو إلى تبني القيم والمفاهيم التي تتقبل العيش المشترك مع وجود الاختلاف والتباين. ومن دون شك أن التسامح في طليعة هذه القيم.

إن هذه الحقيقة التاريخية تنطبق وعلى نـحو كبير على المشهد العراقي المعاصر، الذي يعاني من اختلالات سياسية ومجتمعية ودينية وثقافية وفكرية خطيرة، أشرت وبشكل لايكون بوسع عاقل إنكاره, وجود بوادر أزمة حقيقية أخذت تنخر في النسيج الاجتماعي والثقافي والديني والسياسي العراقي، إذ تسود ثقافة الموت ولغة الاحتراب ومنطق العنف وفتوى التكفير وأيديولوجيا الانقلاب وروح الإقصاء وسياسة التهجير القسري.. الخ.

إن كل هذه أعراض خطيرة لمرض طارئ يجب معالجته سريعاً لمنع تحوله إلى مرض مزمن. وقد تكون إحدى أهم وسائل ذلك تبني مبادئ التسامح وقيمه الأساسية. ونـحن نعتقد جازمين أن العراقيين قادرون على ذلك، لأنهم مؤمنون بان ما يجمعهم بكافة أطيافهم هو أقوى بكثير مما يفرقهم، وهم لذلك يفهمون أكثر من أي وقت مضى حاجتهم للعيش المشترك على وفق عقد سياسي واجتماعي جديد، يحتكم إلى العقل والواقعية، عنوانه الأبرز والأجمل التسامح ولا شيء غير ذلك.

 

أولا: التسامح محاولة للفهم

قد يكون القول صحيحاً أن القارئ لا يحتاج إلى جهد فكري وعقلي كبير ليكتشف إن مفهوم التسامح لا يزال محل للجدل والنقاش بين المهمتين بدراسته، وهو ما جعل من عملية تعريفه ووضع حدود واضحة له تفصله عن غيره من المفاهيم. عملية ليست يسيرة بالمرة. وقد يكون السبب فضلا عن ذلك تعدد وتوسع مجالات استعمال المفهوم في السياسة والدين والثقافة والفلسفة.. الخ، اختلاف وعدم اتفاق اللغات العالمية على دلالة لغوية واحدة لمفهوم التسامح، ويمكن ان نشير هنا على سبيل المثال، الى ان دلالة هذا المفهوم في اللغة العربية هي دلالة سلبية مضمونها المنة والكرم، فهي تشير إلى وجود فارق أخلاقي بين المتسامح (بالكسر) والمتسامح معه (بالفتح). فليس هناك مساواة بين الطرفين، وإنما يد عليا واهبة، ويد سفلى متلقية، وهو مقتضى المن والكرم دائماً(1). ففي لسان العرب مثلاً نجد المفهوم مشتق من الجذر سمح. السماح-ألسماحة المسامحة، والتسميح وتعني لغة الجود، واسمح أذا جاد وأعطى بكرم وسخاء، واسمح وتسامح وافقني على المطلوب والمسامحة هي المساهلة(2). وبالمعنى نفسه ورد في مختار الصحاح: سمح، السماح والسماحة والجود، وسمح له أي أعطاه، وسمح من باب صار سمحاً بسكون الميم وقوم سمحاء بوزن فقهاء، وأمراة سمحة ونسوة سمحاء والمسامحة المساهلة وتسامحوا تساهلوا(3)، وبالمعنى نفسه ذهب معجم المنجد الى ان سمح سماحاً وسموحاً وسماحة وسموحة وسمحاً وسماحاً صار من أهل الجود والسماحة(4).

في حين ان الدلالة اللغوية لمفهوم التسامح في اللغات الأوربية تأخذ دلالة ايجابية تقوم على فكرة القبول بالآخر المختلف دينياً وسياسياً واحترام حقوقه وكرامته الإنسانية، ويكون تعبير هذه اللغات عن التسامح اعتماداً على أصل لاتيني له امتداداته في اللغة الإنكليزية وهي لغة تفصل في الاستخدام بين كلمتي (Tolerance) و(Toleration) في الدلالة على معنى التسامح. فيكون معنى (Tolerance) دالاً على المطاوعة والمرونة والتقبل واحترام رأي الآخرين ومعتقداتهم بينما تنصرف دلالة (Toleration) إلى التخصيص فتقترن بسياسة التسامح الديني التي تعني أمرين أولهما تقبل المغايرة في فهم الديانة الواحدة فيما يعزز طوائفها ومذاهبها. وثانيهما تقبل الديانات المختلفة واحترامها من منظور الدين الواحد الذي يقبلها جميعاً ما ظلت ديانات سماوية(5).

غير أن هذا الاختلاف في الدلالة اللغوية لمفهوم التسامح لم يمنع من الوصول إلى نوع من التقارب في التعريف الاصطلاحي للتسامح، وقد ساعد على ذلك عاملين أساسيين:

الأول: هو اتجاه اغلب الباحثين والكتاب العرب من المعاصرين إلى تجاوز المعاني والدلالات السلبية التي تحملها اللغة العربية اتجاه مفهوم التسامح ليقتربوا كثيراً من الطرح الغربي له وفي هذا الصدد نجد محمد عابد الجابري يرى التسامح على انه "موقف فكري وعملي قوامه تقبل المواقف الفكرية والعملية التي تصدر من الغير، سواء كانت موافقة أو مخالفة لمواقفنا" أو هو (احترام الموقف المخالف)(6). ويتفق محمد جابر الأنصاري مع هذه النظرة عندما يعرف التسامح على انه (تعايش المختلفين بسلام، إذا توافر بينهم حد أدنى من التكافؤ والمساواة أو القبول بالآخر"(7). ولا يبتعد ماجد الغرباوي عن النظرة المعاصرة للتسامح عندما يعرفه على انه "اتخاذ موقف ايجابي متفهم من العقائد والأديان والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة بعيداً عن الاحتراب والإقصاء على أساس شرعية الآخر المختلف دينياً وسياسياً وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته"(8).

الثاني: محاولة الأمم المتحدة وضع تعريف عالمي متفق عليه من قبل المجتمع الدولي. وتجلى ذلك عندما أعلنت عبر اليونسكو إعلان المبادئ العالمي للتسامح في 16 تشرين الثاني 1995 وعرفت فيه التسامح على انه(9):

الاحترام والقبول بتنوع واختلاف ثقافات عالمنا، وهو ليس مجرد واجب أخلاقي ولكنه أيضا ضرورة سياسية وقانونية، وهو فضيلة تجعل السلام ممكنا عالمياً، وتساعد بالتالي على استبدال ثقافة الحرب بثقافة السلام.

يعد التسامح ليس تنازلاً أو مجاملة للآخر، بل هو قبل كل شيء موقف يقوم على الاعتراف بالحقوق العالمية للشخص الإنساني والحريات الأساسية للآخر ولذلك فان التسامح ينبغي أن يطبق من طرف الأفراد كما من طرف الجماعات والدول.

التسامح هو مفتاح حقوق الإنسان والتعددية والديمقراطية.

إن تطبيق التسامح يعني ضرورة الاعتراف لكل شخص بحقه في حرية اختيار معتقداته والقبول بان يتمتع الآخر بالحق نفسه، مما يعني انه ليس هناك حق لفرد بأن يفرض آرائه على الآخرين.

والواقع أن الجهود الدولية تتجه إلى استيعاب هذا التحديد وتعميم استعماله نظراً لثرائه وشموليته بكونه يربط بين مفاهيم التسامح ونشر قيم الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان وهو ما يعد مطلباً ملحاً لمواجهة انتشار قيم التعصب والكراهية والعنف والإرهاب.

 

ثانياً:التسامح "نظرة تاريخية"

يرتبط وجود التسامح وظهوره تاريخياً بوجود التجمعات الإنسانية وظهورها منذ أقدم العصور. فمثلما عرفت هذه التجمعات مفاهيم الحرب والعدوان والقتل والتعصب فقد عرفت التسامح. بيد أن أشكال التعبير عنه قد اختلفت وتنوعت باختلاف وتنوع وثراء العلاقات الإنسانية، فهو قد وجد في الحضارات القديمة كما عبرت عن ذلك شريعة حمو رابي الشهيرة، ووجد بشكل بارز وواضح في الديانات السماوية كما جسد ذلك بأصدق تعبير الإسلام. ووجد أيضا في مختلف الفنون والآداب والشعر.. وغير ذلك.

غير ان التسامح بمفهومه المعروف والمتداول، اليوم، لم يظهر إلا متأخراً وكان ذلك في القرن السابع عشر الميلادي زمن الصراع والحروب الدينية المسيحية بين الكاثوليك والبروتستانت، وكان هذا الظهور بوحي وتأثير أفكار حركة الإصلاح في الديانة المسيحية التي قادها مارتن لوثر والتي أكدت على أهمية الإنسان وفاعلية دوره في المجالات كافة وفي مقدمتها المجال الديني، فالدين أمر شخصي داخلي، والخلاص كذلك، إذ انه يعبر عن علاقة ما بين الفرد وخالقه. وعليه فان الإنسان يملك بذاته القدرة على أن يقوم بكل مستلزمات ذلك. وهو يستطيع أن يقوم بها فعلاً طالما أن مجموع العقيدة الدينية يمتاز بالبساطة، وان القيام بها لا يخضع لطقوس خاصة، ومن ثم لا يقتضي وجود كهنة وقسسة يتولون أمر هذه الطقوس(10). وطالما امتلك الإنسان زمام أمره ونهيه فهو يمتلك حق الاجتهاد أيضا، وهو حق يملي عليه بحكم كونه موزوناً بالعقل إلى الأيمان بضرورة التسامح مع المخالفين. الأمر الذي يعني الاعتراف لهم بحق الوجود وحق التعبير عن مذاهبهم وشعائرهم بالطريقة التي يؤمنون بصحتها.

لقد ساهمت هذه الأفكار وما ترتب عليها من نقاشات ومساجلات فكرية إلى ظهور التسامح بصورة واضحة، وهي حقيقة أكد عليها الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (1732-1704) في كتابه "رسالة في التسامح" الذي أصدره عام 1689 حين أشار إلى أن مفهوم التسامح جاء كرد فعل على الصراعات الدينية المتفجرة. إذ لم يكن إمام قادة الإصلاح في الديانة المسيحية وهم يعيشون حالة الانشقاق داخل الدين الواحد والصراعات والحروب التي رافقتها إلا الدعوة والمناداة بالتسامح المتبادل، والاعتراف بالحق في الاختلاف والاعتقاد(11).

ومع الدخول إلى القرن الثامن عشر الميلادي اكتسب التسامح بعداً أكثر سعة وشمولية، متجاوزاً ولو نسبياً الأطر الدينية ليمتد إلى المضامين التي ترتبط بحرية التفكير الديني وغيره، وقد ساعد على هذا التطور والتحول بروز تأثير فلسفة الأنوار وفلاسفتها المتنورين الذين ذهبت مناداتهم بحرية التفكير إلى الاعتراف حتى بحق الخطأ أي بضرورة السماح للخطأ بالوجود من غير أن يتعرض لهجوم سوى الهجوم الذي يشنه عليه العقل(12). وكان من بين أشهر هؤلاء الفلاسفة الفرنسي فولتير (1694-1778) الذي يعد بحق فيلسوف التسامح لأنه ارتقى بالتسامح واقترب فيه من المفهوم المعاصر، و وضعه في صيغة المبدأ الطبيعي، وكأساس للقول بحقوق طبيعية للإنسان. إذ يؤكد في هذا الصدد (كلنا ضعفاء وميالون لقانون الطبيعة، والمبدأ الأول للطبيعة هو التنوع. وقبول هذا التنوع حق أساسي للوجود)(13).

لقد هيأت أفكار فولتير وغيره من فلاسفة التنوير الشروط الثقافية والسياسية لكي يرتبط مفهوم التسامح في القرن التاسع عشر الميلادي بمبدأ الحرية، وترافق ذلك مع ظهور دولة القانون والمجتمع المدني وسيادة قيم العقل والحرية والحداثة والعلمانية التي أضحت معالم أساسية في حركة التطور الإنساني العالمي. غير أن انتشار هذه القيم لم تحل دون أن يشهد العالم في القرن العشرين الميلادي تصاعد ممارسات التعصب والعنف والإرهاب، وحدوث كوارث القوميات العنصرية العدوانية كالنازية والفاشية والصهيونية، وذيوع إشكال التمييز المعادية للأقليات القومية والعرقية والدينية والثقافية واللغوية.. وما شابه ذلك. الأمر الذي دفع بالمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في ضمان العيش الآمن المشترك في ظل وجود الاختلاف والتباين(14). فأصدر عبر المنظمة العالمية الأكبر الأمم المتحدة وفروعها المتعددة العديد من الإعلانات والمواثيق التي أكدت على أهمية تبني التسامح عبر جعله قيمة عالمية واجبة التطبيق أخلاقيا وقانونياً. وقد وصلت جهود الأمم المتحدة في هذا المجال إلى قمتها في العام 1995 الذي أعلنته عاماً للتسامح، وفيه أصدرت إعلانها الأهم في مجال التسامح وهو إعلان المبادئ العالمي للتسامح الذي كان من أهم صفاته ومميزاته التأكيد على الربط بين التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية.

وهكذا يمكن القول استناداً إلى ما تقدم إن مفهوم التسامح قد تطور من إطار ضيق منـحصر في شؤون الأديان إلى مفهوم شمولي ممتد إلى أوجه النشاط البشري كافة، وان العالم بأسره معني بحماية هذا المفهوم ونشر قيمه وتعزيز وجوده باعتباره الضامن الأهم لاستمرار التواصل الايجابي بين البشر جميعاً مع وجود الاختلاف والتباين.

 

ثالثاً: التسامح. آليات الوجود:

إن الوصول إلى التسامح يستلزم تهيئة مستلزمات وجوده، وهي مستلزمات عديدة وكثيرة نكتفي بالإشارة إلى اثنين على سبيل المثال هما:

1. الاعتراف بالأخر:

خاطئة تلك الفكرة التي يعتقد بها البعض ويتبناها ومحورها أن العلاقة بين الأنا والأخر، هي علاقة تعارض إلى درجة النفي المطلق بينهما. وحجتهم في ذلك إن ماهية الأنا وماهية الأخر لا يمكن أن تتحدد الا على أساس الاختلاف بينهما.

إن رفضنا لهذه الفكرة مبنية على أنها تتجاهل حقيقتين أساسيتين هما:

الأولى: إن العمق الفلسفي الإنساني يقسم العلاقة الوجودية بين الأنا والأخر إلى ثنائية انسجامية تكاملية، رغم وجود حالة الاختلاف بينهما. حيث أن الأنا شرط معرفي ووجودي للأخر، وان الأخر شرط معرفي ووجودي للانا(15).

إن هذه الحقيقة تنسجم وتتواءم مع البدايات الأولى للإنسانية والتطور الحضاري الذي رافقها، التي ابتدأت وارتبطت وتمحورت حول مبدأ الأنا وهذا المفهوم متعدد الدلالات، فهو يشكل مضمون ما سمي بالنزعة الإنسانية، وهو يعني مركزية ومرجعية الذات الإنسانية، وفعاليتها وحريتها وشفافيتها وعقلانيتها. ورأى بعض المفكرين ومنهم "هيغل"، ان هذا المفهوم قد فرضته، الإحداث التاريخية الكبرى: الإصلاح الديني، وفلسفة الأنوار، والثورة الفرنسية. فمع الإصلاح البروتستاني لدى "لوثر" أصبح الأيمان الديني مرتبطاً بالتفكير الشخصي، فهذا الإصلاح قام على تأكيد سيادة الذات، وإبراز قدرتها على التمييز والاختيار،وعده حقاً من حقوقها، في حين كان الأيمان التقليدي قائماً على ضرورة الأتباع والخضوع للقوة الآمرة للتراث والتقليد. كما أن الثورة الفرنسية وإعلان مبادئ حقوق الإنسان، قد فرضتا حرية الاختيار مقابل الحق التاريخي المفروض كقاعدة أساسية للدولة.

لقد أصبح مبدأ الأنا مبدأ محدداً في كل مجالات الفعل، ومحدداً في كل إشكال الثقافة الحديثة: فالحياة الدينية، والدولة، والمجتمع، وكذا العلم، والأخلاق، والفن تبدو جميعاً كتجسيد لمبدأ الأنا الإنسانية(16).

بيد ان هذا القول ينبغي ان لا يفسر باتجاه فردي، يقدس الأنا ويرفض الأخر، لا بل ان الحديث عن الأنا يكون مدخلاً للحديث عن علاقة مجتمعية بين الأنا والأخر. ذلك ان الحديث عن حرية الفرد تلزم مجتمعاتنا بتحديد مبدأ جديد للتوصل المجتمعي المتكامل، يجمع بين الحرية الفردية والمصلحة الجماعية وهذه الفكرة ركزت عليها اغلب الفلسفات الإنسانية ومنها الفلسفات النفعية والليبرالية التي جعلت من الفرد والفردية وسيلة وغاية، فأنصار هذه الفلسفات لا يرون تعارضاً بين المصلحة الفردية والتوحيد المجتمعي، بل ويعتبرون الأولى اضمن الوسائل لتحقيق الثانية. وبمقدار ما يرفضون تدخل مذاهب فهم الإنسان في تسيير الشؤون الجماعية لأنها تولد دائماً في رأيهم التعصب والتمييز، بمقدار ما يعتبرون هدفهم الرئيس تعزيز أواصر الرابط المجتمعي في مجتمع معرض لان تطغى عليه النوازع الإنسانية، مما يستوجب تصحيحه باحترام سعادة الأخريين والاهتمام بتحقيقها، فدور المؤسسات المجتمعية برأيهم يقوم على تشجيع نمطين من السلوك في آن واحد، العمل الشخصي الحر، والاعتراف بالآخر، سواء كان هذا الأخر قريباً أو بعيداً في الزمان والمكان(17).

ثم ان الثقافة الديمقراطية بقدر ما تقوم على الأيمان بقدرة الأفراد والجماعات الخاصة على صنع حياتهم، فأنها تقوم أيضا على الاعتراف بحق الأخريين في ابتداع وجودهم الخاص ومراقبته، وهذان المبدآن ليسا متوازيين، بل الأول يحكم الثاني، فالمسالة ليست الاعتراف بالآخر من حيث اختلافه، إذ ان ذلك غالباً ما يؤدي إلى اللا مبالاة والى الفرز، أكثر مما يؤدي إلى الاتصال والتواصل، بل هي مسألة الاعتراف بالآخر بوصفه ذاتا، وبوصفه فرداً يسعى ان يكون له وجوده وكينونة وأيضا قوة فاعلة في المجتمع(18).

الثانية: توافر المجتمع الإنساني على معطى أخلاقي ركيزته الإقرار بحق الاختلاف. ان توافر هذا الحق والإقرار بوجوده هو أمر تتولاه اعتبارات عديدة لعل من أهمها وفي المقدمة منها الاعتبار البديهي المنطقي الطبيعي الذي يملي نفسه على هذا العالم وهو التعدد والتنوع وهو حقيقة طبيعية نتلمس وجودها على مستويين(19):

المستوى الفردي: هناك تعدد وتنوع في خبرة كل فرد، تعدد وتنوع أزمنة، وأمكنة، وأشخاص..الخ.

المستوى المجتمعي: هناك تعدد وتنوع أقوام، أفراد،... الخ. كل مجتمع شاء أم أبى حكماً هو مجتمع تعددي.

ان التعدد والتنوع هما في ذاتهما شرطان وجوديان أساسيان من شروط وجود الحياة الاجتماعية. هما سمة وضمان الحياة الاجتماعية في أطرادها الدينامي المتجدد المتفاعل، وهما مجلى الإرادة الإنسانية، والابتكار والتجديد، ومناط فعالية وارتقاء الفعل والفكر العقلانيين. الإنسان بطبيعته السوية لديه استعداد وقابلية هائلة للتنوع والتغيير في حركة حية دينامية، وهذا ما أفضى إلى تباين أشكال الحياة، وأشكال فهم الحياة، وصور التعبير عنها، وسبل الآخذ بها، والتعامل معها. تنوع في النظر إلى الكون والوجود وعناصر الحياة. ففي التعدد والتنوع والاختلاف حياة الإنسانية وارتقاؤها(20).

ان الإيمان بالتعدد والتنوع يلزم الإيمان أيضا بوجود ما يجمع بين البشر، أنها وحدة مع الاختلاف، فالتعدد والتنوع لا يعني التنافر الإنساني.

 

2. الحوار مع الآخر

لابد من التأكيد، ابتداء، ان حقيقة التواصل الإنساني مع الآخر لا تتم إلا بلغة الحوار، وان كان هذا الآخر يحمل رأيا مناقضاً أو فكراً معارضاً يبتعد في تكوينه عن الآخرين، ان الحوار يأخذ أشكالا متعددة فقد يكون حواراً سياسياً يتطلع إلى التسامح مع الآخر سياسياً، وقد يكون حواراً دينياً يتطلع إلى التقريب بين المذاهب والأديان، وقد يكون حواراً ثقافياً يمثل طريقاً للتواصل والتعاطي الثقافي.. وغير ذلك كما يأخذ الحوار مستويات متعددة بعضها داخلي بين مكونات الشعب الواحد وفئاته أو بينه وبين سلطته السياسية وبعضها خارجي بين الدولة الوطنية والدول الأخرى. وقد يكون أفقيا بين فئات الشعب وقد يكون عموديا بين الشعب والقابضين على السلطة(21).

وأيا كانت أشكال ومستويات الحوار فهو يعد احد المستلزمات الرئيسية للوصول إلى التسامح. ولا يكون ذلك ممكنا إلا إذا كان هذا الحوار مستجمعاً للشروط الآتية:

ان لا تكون هناك محرمات أو مقدسات في الحوار: إذا خلصنا إلى ان الإيمان أي إيمان هو فعل حوار عقلاني، فمن الطبيعي ان لا يكون هناك محرمات أو مقدسات في الحوار. وقد لمسنا هذا الأمر في القرآن الكريم الذي ذكر كل المفردات التي اتهم نبينا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في شخصه ورسالته، ثم عالجها بكل جدية وموضوعية. ولذلك فان على أي حوار-إذا كان ينشد الموضوعية والعقلانية-ان لا ينطلق من مسبقات قداسية، فان التقديس ذاته لابد ان يدل عليه العقل بالدليل والبرهان(22).

ان يكون الحوار مع الآخر المختلف لأجل الحوار وليس لأجل الجدل معه، فمن الواضح وقت الاستخدام القرآني ان هناك فرقاً بين الحوار والجدل، فالأول يتحقق عندما يضطرب الذهن ويصبح العقل في حيرة من أمره ، وأمر قضية من القضايا أو مسألة من المسائل، ويراد من الحوار ان يخرجه من ذلك وتكون مرارة الكلام في الحوار هينة لينة غير قاسية وغير عنيفة. أما الثاني (الجدل)، فيتحقق عندما يكون هناك صراع فكري حول قضية من القضايا أو مسألة من المسائل، ويكون الهدف عند كل واحد من المتجادلين هو هزيمة الآخر فكرياً والانتصار عليه. والعمل على تحقيق هذا الهدف قد يدفع كل واحد من المتجادلين، أو على أقل تقدير الواحد منهما، ان يعتمد أي سلاح يمكنه من النصر والغلبة، حتى لو كان اعتماداً على ما هو باطل، إذ الغاية في هذا الموقف هي التي تبرر الوسيلة(23).

ان يكون الحوار متطلعاً إلى التواصل مع الآخر، والى استكمال إدراك الذات في مرآة الآخر، والى ممارسة نقد ذاتي يهدف إلى التخلص من الاستيهامات الذاتية، ومن الأحكام المسبقة تجاه الآخر، وتغليب حوار المعنى على حوار القوة(24).

الحوار يتطلب ان ننصت للآخر كما نتحدث إليه بالضبط. فالإنصات فضيلة علينا ان نتحلى بها. وليس ذلك بالأمر السهل، بل لابد في سبيل ذلك ان يبادر الإنسان الى امتلاك لون خاص من الأخلاق والرياضة العقلية. ولكن الإنصات يختلف عن الصمت، فهو ليس مجرد ممارسة انفعالية نتأثر خلالها، وإنما يعبر عن فعل ونشاط نقوم به بالنـحو الذي يؤدي الى انفتاح السامع بكيانه ووجوده على ذلك العالم الذي يتولى المتحدث الكشف عنه أو يقوم بخلقه وإنشائه. وهكذا فان الفشل سيكون حليف عملية التحاور ما دامت لم تقترن بعملية الإصغاء(25).

الحوار لا يمكن ان يتحقق لدى من تهيمن عليهم نزعة التشكيك والسفسطة، أو أولئك الذين يتخيلون إنهم يحتكرون الحقيقة. بل يتجلى الحوار بمظهره الرائع لدى أولئك الذين يضعون أيديهم في أيدي بني الإنسان كافة، ويواكبون الآخر الإنساني، ويرافقونه في الوصول إلى التكامل المجتمعي(26).

 

 

رابعاً: التسامح في العراق مشاكل وحلول

ان جل الجهود المبذولة لنشر قيم التسامح وثقافته في العراق تصطدم غالباً بمجموعة كبيرة من المعوقات والمعرقلات ذات الإشكال المتباينة، والتي تشكل بمجموعها منابع حقيقية لعدم التسامح الذي يعني رفض الاختلاف والبحث بأيد مخضبة بالدماء عن التماثل ورفض أي شكل من إشكال الاستقلال والتنوع، انه نوع من الرغبة الجامحة للتسلط والسيطرة الكاملة لهوية عشيرة، أو نقاء عنصر، أو هيمنة دين، أو سيادة مذهب، أو انتصار عقيدة سياسية(27).

ان التسامح يعاني من صراع من ضده النوعي اللاتسامح في اغلب صوره وأشكاله ومنها على سبيل المثال(28):

1. التسامح السياسي

ان التسامح في السياسة يتجه الى الاعتراف بالآخر سواء أكان أقلية أو أكثرية، وبحقه في العمل والتنظيم والترويج لأفكاره السياسية بعيداً عن إي قمع أو ضغط يمارس ضده.

ان هذه المفهوم للتسامح السياسي بما يتضمنه من مفاهيم الديمقراطية والحرية والتعددية وحقوق الإنسان يعد بحق احد متبنيات الفكر الغربي وأحد مظاهر سلوكه السياسي. في حين ان مجتمعاتنا ونظمنا السياسية العربية ومنها العراق عانت ولا تزال تعاني في سبيل استيعاب هذه المفاهيم من الارتباك. اذ تسود مجموعة من المظاهر السياسية التي تجعل من التسامح السياسي حالة صعبة المنال ومنها:

الاستبداد بالسلطة، والاستئثار والتفرد بها، وحرمان الآخرين منها، وهو ما يعد جوهر الاستبداد السياسي.

إقصاء المعارضة وتهميش دور الشعب، فالرئيس يبقى ملازماً للحكم مدى الحياة، لا ينزعه عنه إلا الموت، أو الانقلاب، وحزب الرئيس هو حزب السلطة والمعارضة معاً ومؤسسات حزب الرئيس هي مؤسسات الدولة، وهي في تعاملها مع الرعية قد نصبت نفسها حكماً وخصماً في ذات الوقت.

الإسراف في استعمال القوة. فقد امتازت الأنظمة السياسية العربية ولا سيما في العراق بإسرافها في استعمال القوة إلى درجة أنها أصبحت إحدى علاماتها المميزة. وقد أدى ذلك إلى تعميم ثقافة العنف. فالفرد الذي وجد نفسه محاطاً بسلطة سياسية لا تعرف غير العنف أسلوبا للحكم. وجد نفسه مضطراً إلى القوة للدفاع عن نفسه أو لانتزاع حقوقه، فهو مطوق بالعنف من كل جانب ومحاط بآخر (سلطة أو أفراد) لا يفهم سوى العنف أسلوبا لتسوية الخلافات وتصفية الحسابات.

ومن دون تضخيم نقول ان هذه المظاهر السلبية المنتجه للتعصب وعدم التسامح تشكل في الوقت ذاته أسباب ومنابع حقيقية لعدم التسامح فالاستبداد كظاهرة سبب في الوقت ذاته، فحينما لا تكون السلطة منبثقة عن الجماهير يتولد العنف ويسود القمع. ان الانبثاق عن الجماهير ليس شرط التكون، بل هو شرط الاستمرار أيضا(29).

غير ان سيادة هذه المظاهر لا يعني غياب الحلول التي نعتقد أنها يجب ان تقوم على محورين متكاملين هما(30):

تهيئة أرضية ديمقراطية صلبة قوامها احترام الحق في الاختلاف والحق في التعبير الديمقراطي الحر.

تمكين الأقلية السياسية أو الدينية أو الاثنية من الحضور في المؤسسات الديمقراطية، لا بناءً على قوتها العددية وحسب، بل بناءً أيضا، على حقها في ان تكون ممثلة تمثيلاً يمكنها من إسماع صوتها وممارسة حقها المشروع في الدفاع عن مصالحها، مع الانتباه إلى حقيقة ان واقع التسامح لا يمكنه ان يوجد إلا على أساس التبادل، ولذلك فان واجب التسامح مع أقلية ما ينتهي حين تبدأ هذه الأقلية أعمال العنف.

2. التسامح الديني

من الحقائق المسلم بها ان الأديان السماوية بحكم واحديه مصدرها التكويني بكونها منزلة من الله سبحانه وتعالى، لا تأمر إلا بالخير والحق والصلاح، ولا تدعو إلا بالبر والحب والرحمة والإحسان، ولا توصي إلا بالأمن والسلم والسلام، وما كانت يوماً في ذاتها عائقاً أمام التبادل والتلاقح والتثاقف ولا أمام التعايش والحوار. وإنما العائق في أولئك الذين يزعمون الانتماء والانتساب إلى هذه الأديان ويحاولون استغلال هذا الادعاء في التحكم بأقدار الناس ومصائرهم(31).

ان وجود مثل هؤلاء قد الصق بهذه الأديان ومنها الإسلام ممارسات بعيدة عن روح هذه الأديان وقيمها الإلهية الحقة. وقد يكون التعصب الديني وما يستتبعه من التعصب المذهبي والطائفي الضيق هي إحدى الصور بل وأسوءها على الإطلاق، ان التعصب يتجسد بصورة مثالية في التطرف الديني الذي يعد اخطر منابع اللاتسامح، لتلبسه بلبوس المقدس، وتوظيفه للنص الديني، وسرعة تصديقه من قبل الناس، وقدرته على التخفي والتستر تحت غطاء الشرعية والواجب والجهاد والعمل الصالح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو لا يعد كونه قراءة متحيزة للدين، وقراءة مجتزئة للنصوص(32). أسهمت في وجوده ومن ثم تطوره العديد من الأسباب منها:

حديث الفرقة الناجية: لقد لعب هذا الحديث الذي يشير إلى افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق فوق السبعين، كلها في النار إلا واحدة دوراً خطيراً في تفريق هذه الأمة وانقسامها، وأسبغ الشرعية على حالات الاقتتال والتناحر بين فرقها ومذاهبها، وهو في حقيقته حديث تشكيكي ارتيابي تقسيمي، يؤدي إلى تشظي روحي، وتبعثر وجداني. هناك موج كبير من امة المسلمين ضالة، لا تستحق رائحة الجنة والمرفوض في الجنة، مرفوض في الأرض، مرفوض في الحياة(33).

كما ان خطاب الحركات الأصولية، ليس اقل خطراً من حديث الفرقة الناجية، ان لم يكن اشد خطراً لتعدد أساليبه ووفرة خزينة، وارتكازه إلى قراءات أحادية ومجتزئة، أفضت الى تصورات ظلامية ولا إنسانية شكلت خطراً كبيراً على مستقبل الرسالة ومصداقية الدين الحنيف، فهذه الحركات نظرت الى المجتمع نظرة سلبية تتراوح بين الانـحراف والجاهلية مروراً بالفسق والضلال والعصيان والفساد والانـحطاط. وهذه النظرة السلبية كانت وما تزال المسوغ لعمل هذه الحركات داخل المجتمع، فهي ترى المجتمع ضالاً يجب هدايته، وعاصياً يجب معاقبته وفاسداً ينبغي إصلاحه، ومنـحطاً خلقياً يجب إنقاذه(34).

ان اخطر أدوات التدمير لبنيان الاتحاد والتقارب بين العاملين للإسلام خاصة، والمسلمين عامة، بل أشدها خطراً على الإطلاق، التكفير:وهوان تخرج مسلماً من الملة ومن دائرة أهل القبلة، وتحكم عليه بالكفر والردة، فهذا لا ريب يقطع ما بينك وبينه من حبال، فلا لقاء بين مسلم ومرتد فهما خطان متوازيان لا يلتقيان(35).

غير ان إقرارنا بوجود هذه المظاهر السلبية ولاسيما في العراق والتي تؤشر وجود خلل وانـحراف عن مقاصد الشريعة الإسلامية، لا يعني بأي حال من الأحوال الاستسلام لها والتسليم بسيادة أنساقها المعرفية والسلوكية المنـحرفة، وإنما يجب العمل على مواجهتها والتصدي لها. ويكون ذلك عبر اعتمادا العديد من الآليات ومنها استنبات القيم التالية:

الإيمان بان وحدة الأمة الإسلامية هي فريضة وضرورة:

أول المبادئ التي يجب ان نقررها هنا، وحدة هذه الأمة، فهي امة واحدة: الهها واحد وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة وشعائرها واحدة، وشريعتها واحدة وآدابها ومصيرها واحد، وعدوها واحد. وهناك الكثير من النصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد على ضرورة الوحدة وكونها فريضة ولازمة من لوازم الإيمان وتنهى عن الاختلاف والفرقة.

ومن الطبيعي ان الارتقاء الى مستوى وأهمية هذه الآيات والأحاديث يتطلب مستلزمات كثيرة وعديدة لعل من أهمها وفي المقدمة منها التخلي عن حديث الفرقة الناجية الذي كما أوضحنا فيما تقدم يشوش بالتأكيد على هذه الوحدة المنشودة. وهو حديث ليس كما يعتقد البعض خطاً ثابت لا مطعن فيه، ذلك إن الكثير من العلماء قد طعن فيه وفنده ومنهم على سبيل المثال الشيخ يوسف القرضاوي، الذي طعن بصحة وصدق الحديث من ناحيتين(36):

الأولى: من حيث سنده وفيه وجد:

ان الحديث لم يرد له ذكر في أي من الصحيحين، مسلم والبخاري، على الرغم من أهمية موضوعه، و ان مسلم والبخاري حرصاً على إلا يدعا باباً مهماً من أبواب العلم الا ورويا فيه شيئاً ولو حديثاً واحداً.

ان بعض روايات الحديث لم تذكر ان الفرق كلها في النار إلا واحدة، وإنما ذكرت الافتراق وعدد الفرق فقط.

الثانية: من حيث دلالته (على فرض ثبوته) وفيه.

إن الحديث وان حسنه البعض، لا يدل على أن الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد أمر مؤبد ودائم إلى ان تقوم الساعة. قد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحق باطلها، فتنقرض ولا تعود أبدا، وهذا ما حدث بالفعل للكثير من الفرق المنـحرفة فقد هلك بعضها، ولم يعد له وجود.

ان الحديث بجميع رواياته يدل على ان هذه الفرق كلها جزء من أمته (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي الإجابة المنسوبة إليه في قوله (تفترق أمتي) ومعنى هذا أنها ـ على الرغم من بدعتها-لم تخرج عن الملة ولم تفصل عن جسم الأمة المسلمة.

طالما كان الإجماع متحقق في الأصول، فان الاختلاف في الفروع-مصدر التعصب والعداء وعدم التسامح-يمكن تجاوزه من خلال(37):

التسليم بان اجتهادات الفقهاء وآرائهم ليست شرعاً واجب الإتباع، وإنما هي فهم بشري لنصوص الشريعة وقواعدها، العامة، ولهذا تحتمل الصواب والخطأ، وليس لها صفة الثبات والخلود.

الإيمان بأنه كان من وراء اختلافات الفقهاء في القضايا الفرعية، أسبابها العلمية وظروفها الزمانية والمكانية المختلفة عن أسبابنا وظروفنا المعاصرة، لذا فان محاولة الوقوف على هذه الأسباب تتطلب درجة عالية من التقويم العلمي والموضوعي الذي لا يعرف الإفراط أو التفريط.

الاقتناع بان أئمة الفقهاء لم يتعصبوا لآرائهم، ولم يدع واحد منهم ان اجتهاده هو الصواب وحده، ولذا كان كل منهم يحترم رأي غيره، ويطبقه وان لم يكن قد قال به، سداً لباب الاختلاف وتأكيداً على ان كل الآراء يجب ان تلقى التقدير بدرجة سواء.

وللوصول الى التسامح المطلوب ينبغي ان تتوقف الأقلام، وتكف الألسن عن لغة التشنج والاستفزاز والاستخفاف والتحامل، وإثارة المشاعر والخواطر على نـحو يعمق سوء الظن والنفور والتباعد بين إتباع المذاهب، وذلك بترديد ما اشتمل عليه التراث الفقهي(38)، ولاسيما في عصور الضعف والتقليد من أراء متطرفة صدرت كنتيجة للتقليد والتعصب المذهبيين، فصارت سبباً لصعود الكثير من البحوث الهامشية والمتعصبة الى موقع الصدارة، وساهمت إلى حد كبير في تكوين الذهنية الطائفية الفقهية، ثم اتخذت مظهراً من مظاهر الهوية المذهبية(39).

3. التسامح الاجتماعي

الرجوع الرجوع

 


الصفحة الرئيسية   
من نحن    نبذة عن المشروع    هيئة الرئاسة    أخبار المجلس    أخبار المؤسسة    الكيانات السياسية    اعضاء البرلمان    لجان البرلمان    الاحزاب السياسية

جلسات البرلمان    التشريعات    الرقابة    الوثائق     تقارير المصدر    بحوث ودراسات    معرض صور    الروابط    اتصل بنا