تتصفح حاليا موقع المرصد النيابي العراقي للدورة البرلمانية الثانية للفترة من 2014 ولغاية 2018 للانتقال الى موقع الدورة الحالية اضغط هنا

    Logo     تنويه     Logo     مجلس النواب يعلن انتهاء عمله للدورة الحالية     Logo     اطلاق التقرير النهائي     Logo     مؤتمر اطلاق التقرير النهائي     Logo     القراءة الثانية لمقترح قانون التعديل الرابع

 

هل تعتقد ان اداء مجلس النواب الحالي هو افضل من الدورة السابقة ؟

  نعم
  لا

مجموع الأصوات 687

 

 

التقرير النهائي للدورة الثالثة 2014-2018
تقرير شهر ايار /2018
تقرير السنة التشريعية الرابعة للدورة الثالثة

 

الدستور العراقي
امن العراق ووسائل تحقيقه
توجهات الاستثمار في الاقتصاد العراقي بعد 2003
مبدأ التسامح انساقه الفكرية ودوره في تعزيز العملية السياسية
مبدأ الفصل بين السلطات



 

جلسة تداولية

 
  فقرات الجلسة
محضر الجلسة
 

 

 


 
 

 

 

البرلمان العراقي ا.د قيس النوري ........خاص لمدارك

الشخصية البرلمانية العراقية

بين غفوة الامس وصحوة الغد

أ.د. قيس النوري

توطئة انثروبولوجية

انطلاقا من المنظور الانثروسياسي ندرك ان الدولة الديمقراطية تتمثل اعلى مراحل التقدم التي فيها تجاوز عهود العبودية والاقطاع وهيمنة الكهنوت الكنسي والاوليكاركية (Oligarchy) فالنظام الملكي الوراثي وكذلك الحكم الجمهوري والاستبدادي وياتي الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية نذيرا بحلول هذه المرحلة بوعودها واستحقاقاتها الكثيرة (Malinowski,1961,pp.-2) .

ولا يخفي ان سيرورة الامم الديمقراطية الحقيقية قد استغرقت قرونا طويلة كانت قد تخللتها صراعات مدمرة وسادتها اعتى اشكال الظلم والاستبداد . ومما زاد في بشاعة تلك العهود غير الانسانيةا تفشي الامية والخرافة والسحر التي عززت قبضة الحكام المستبدين على رعاياهم واتباعهم المسحوقين.

ويلاحظ ان الديمقراطية البرلمانية المستمدة من قاعدة الانتخابات الشعبية الحرة لاعضاء الحكومة قد انتشرت في اوربا خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكذلك في امريكا الشمالية . بينما بقيت معظم دول اسيا وافريقيا محرومة منها او ـ بتعبير ادق ـ عاجزة عن توفير مستلزماتها ومتطلباتها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

قد يصح القول ان احتجاب الديمقراطية والحرية عن الشعب العراقي عدة قرون ربما اوجد ارضية ملأى بالتحديات والعقبات التي تنوء بها عملية اعادة التاهيل الفكري والسياسي والنفسي اللازمة لهضم واستيعاب هذا المفهوم الشائك. لعلنا نعي وندرك بشكل اعمق العملية الديمقراطية من خلال ابصار تعقيداتها المتعلقة بتغلغلها في التركيب البنيوي والثقافي للمجتمع. خصوصا في ظهور زعامات تحمي ثقافة المجتمع وتبعث فيه روح الانعتاق والتقدم (Northrop,1954,pp.173 -185) فضلا عن ضرورة استقرار طبيعة تداعياتها الصاخبة على الشخصية العراقية داخل وخارج البرلمان . الى جانب المهام والارهاصات الزلزالية التي سيواجهها البرلمانيون خصوصا في خضم بيئتهم النفسية والذهنية من جهة وفي المحيط البرلماني والاجتماعي والثقافي الذي يختبر لياقتهم في سياق ادوارهم الجديدة .

وانطلاقا من المنهجية الانثروبولوجية التي تعول على سبر الواقع الثقافي التقليدي في الكشف عن الحقائق السلوكية، فاننا سنستثمر هذه الرؤيا في انارة اثر الخلفيات العشائرية في شخصية البرلمانيين وما ينجم عن ذلك من ازدواجية او ارتجال او تناقض او صراع بين الادوار والمواقف بهذا يميل بحثنا في معظم فقراته الى التحليل المجهري بحكم غموض حالات المواجهة بين ثقافة البرلمانيين الام والثقافة الديمقراطية البرلمانية التي لابد ان يتمثلها ويهضمها البرلمانيون .بهذا يتصاعد تحدي الحداثة من خلال تنامي عملية التثاقف التي تدفع باتجاه تبني النفهوم الديمقراطي بتشعباته المتعددة.

مع ذلك لابد ان ندرك ان البرلمانيين العراقيين خصوصا ذوو الخلفيات العشائرية القريبة مضطربون ان يتحركوا بهدي من ثقافتهم التقليدية بقيمها ومعاييرها من جهة واعادة تركيبها مع ما يتعلموه من المفاهيم البرلمانية للحفاظ على قدر من الروح الديمقراطية والحضارية. واوضح ان هذا التركيب والتداخل الذي يواجه البرلمانيين يظل متارجحا بين اللاشعور القبلي وبين الوعي البرلماني المستجد من المؤمل تصاعد وتيرة التناغم بين الثقافتين لكي تخف وطاة التناقض والتناشز في الغد غير البعيد.

نعود الى القول ان ستراتيجية هذا البحث هي التعامل مع وضع ثقافي ونفسي غير مستقر بحكم عملية التثاقف التي تضم ثقافتين نائيتين عن بعضهما ولابد من مزاوجتها فكرا وسلوكا والخروج بصيغة لا تنسف جوهر المناخ البرلماني ولا تصادر الثقافة المحلية . انها كما يقول الانثروبولوجيون عملية تفكيك واعادة تركيب عناصر الطرفين مع تسوية التناقضات قدر المستطاع.

وهكذا يكون لقوة التقليد النصيب الاوفر(Muller,1959, 137- 143) في توجيه عملية التمثيل والاستيعاب لعل اليابان تعد الانموذج الامثل لهذا النجاح الباهرفي تحقيق التوافق بين ثقافاتها الوطنية والنهج البرلماني الديمقراطي الغربي . اما بالنسبة الى وضعنا في العراق فان المفاهيم والقيم البرلمانية الوافدة هي قريبة الشبه من الطبقة الجيولوجية الرسوبية التي تفرش سطح الواقع ، وهي لا تتعدى مرحلة التطبيع بينما تؤلف ثقافاتنا التقليدية الطبقة "النارية " التي يستمد منها النموذج العراقي في البرلمان وفي غيره طبعه الثقافي والنفسي الاكثر ثباتا وتاثيرا في الشخصية لاشك ان التصرفات التي تعد عما تم اقتباسه من الغرب الديمقراطي لايمكن ان تكون عفوية بل يغلب عليها التكلف والاصطناع. من هنا يصبح التحول الديمقراطي بطيئا وهو يستغرق زمنا طويلا لكي يرسخ . وتبرز الحاجة لتدعيمه بوسائل الاقناع والاغراء وهذا ما اتضح في النظام السوفيتي الذي وظف القسر والتهديد في نشر افكاره البلشفية التي لم يتقبلها الشعب.

مما يعزز اقبال الناس على الديمقراطية الاحساس بما تمنحه لهم من حرية ومساواة وهكذا يتحتم علينا مواجهة هذه الجدلية التي تتيح للاشخاص فرصة التوافق والمساومة بين قطب التقليد العشائري وقطب حداثة الديمقراطية الغربية الوافدة .

 

ملابسات التكيف البرلماني

البرلمان كلمة ساحرة وانتخاب الاعضاء له يكاد يؤشر ارفع مراتب او مراكز الشرف في المجتمع الديمقراطي المعاصر ، خصوصا في الثقافات الصناعية الغربية . لكن امتيازات البرلمانيين في الدول الصناعية التي تأقلمت مع الثقافة الديمقراطية وتشبعت بها تتوازى مع المهام والمسؤوليات المسندة اليهم. ومن الطبيعي ان هذا التوازي والتوازن بين طرفي الامتيازات والمسؤوليات يرتبط اولا بثقافة المجتمع التي لها اثر مركزي في تاسيس بناء الشخصية. وثانيا بثقافة البرلمان التي يغلب عليها الطابع المهني(Hicks,1976,p.130).

لعل الثقافة الاجتماعية التي تعول عليها المجتمعات الديمقراطية في تنشئة الاطفال تغني الجانب الاجتماعي والاخلاقي والفكري والنفسي لشخصيتهم. وتكون تلك الثقافة مصدر دعم للجانب المهني بحكم ارتباطهما  باسلوب الحياة العصرية وانعدام التناشز الاجتماعي بينهما. بعكس واقعنا اذ تتعدى نقاط التماس والنزاع بين القيم القبلية العشائرية والقيم البرلمانية الديمقراطية في عناصر وجوانب متعددة. ندرج لغرض التوضيح بعضها:

 

اولاً: تحييد عقدة البطريركية

لعل اول واعمق تحد يواجه البرلمانيون العراقيون في معركة التكيف للمؤسسة التشريعية ان يتحرروا من عقدة الوصايا " البطريركية " (Patriarchy) الابوية التي غرستها العشائرية في شخصية الذكر ولابد للانثى العضوة في البرلمان ان تستعيد ثقتهاالذاتية وان ترى  نفسها ندا متكافئا مع زميلها الرجل. ومن المؤكد ان يتاثر سلوك هذين الشريكين الازليين بازالة الفارق النفسي والذهني القائم بينهما خصوصا بعد ان برهنت العلوم مختبريا وميدانيا تساويهما بالذكاء وفي معظم الملكات والقدرات.

لكن انفاس التقليد العشائري اللاهبة ظلت تلاحق المراة العراقية حتى تحت قبة البرلمان كما يؤكد تقليص عدد الاناث في البرلمان الى اقل من ربع المجموع بينما تتخطى نسبتهن النصف في التعداد السكاني الوطني. وا ضح ان هذا التكتيك لايريد للمراة مشاركة فاعلة في المؤسسة التشريعية . كما يريد هذا الانقاص العددي محاصرة  دور المراة وتهميشه كما في الواقع التقليدي العتيق كان المطلوب من كل هذا التدخل غير المتوازن ارباك انسيابية العملية التشريعية برمتها علاوة على ما فيه من انحياز سافر وغير مبرر للذكور الذين لم يثبت علميا  انهم اكثر الهاما من اخواتهم على صعيد الهبات الذهنية والابتكارية.

من الطبيعي ان تختزن المراة العراقية في ذاكرتها المحاولات الواعية وغير الواعية للحط من قدرها والالتفات على حقوقها المدنية والانسانية. ولاشك ان التعليم الذي تسلحت به في  مختلف التخصصات سيضاعف قوتها ويعزز ارادتها في البرلمان وفي المجتمع المدني ويؤدي حتما الى ارتقائها الى الموقع الذي يليق بها. ويبدو ان استعادة المراة لحقوقها ستتم من خلال الصيرورة الثقافية والاجتماعية بكل تناقضاتها الرافضة لتواصل الهيمنة غير المستحقة للرجل.

ولما كان البرلمان في تصور المثقفين المتبحرين في مضامينه ودلالاته الحضارية والفكرية والانسانية والتاريخية الانموذج الارفع الذي تقتدي به جماهير الامة فليس من المتوقع او المعقول ان لاينطبق ذلك على كل اعضائه شكلا مضمونا. لكننا نعلم ان الانتخابات افرزت كتلا سياسية مبهمة لايعرف الناخبون شيئا عن اعضاءها. وقد تسرب نتيجة لذلك الى البرلمان بعض الاعضاء المجهولين المشكوك في قدراتهم العلمية والقانونية والفكرية والحضارية ومع ذلك فازت كتلهم بسب احجامها العددية الكبيرة.

وهكذا ركب بعض الاعضاء موجة فوز كتلهم السياسية من دون علاقة لذلك بنوع ومستوى مؤهلاتهم لاداء ما ينتظرهم من ادوار برلمانية شائكة يتبين في ضوء هذه الملاحضات ان ركاكة الاداء وغرابة التصرفات التي تم تحديدها في جلسات البرلمان القليلة الماضية تدل بوضوح على ان الاعضاء غير المؤهلين يشكلون عبئا ثقيلا وتحجيما لافاق الابداع والانجاز التي لن يدنو منها هولاء الاعضاء القاصرون.

يلاحظ هذا الانحياز بقوة في الاليات البرلمانية الخاصة بتوزيع الانشطة بين الذكور والاناث الاعضاء مع انها قد تختفي في الشكل وتبرز في المضمون الحركي الذي تفتضح فيه التناقضات والمفارقات من ذلك قلة فرص الكلام للنساء واستحواذ  الذكور على رئاسات اللجان وميلهم الابرز للمساجلات الجدلية وما شابه. كل هذا يحدث بالرغم من العناصر الشكلية المستعارة من البرلمانات الاكثر تطورا والتي لا تتعدى صيغ الشعارات مثل شعار الايثار ونكران الذات والموضوعية والمساواة في الواجبات والحقوق وعشرات المبادئ المثالية التي اعتراها الصدأ لكن المضمون في حالة برلماننا سيكون اكثر ديناميكية وتعقيدا لانه يتحرك في مجال السلوك والعمل والمواقف والميول التلقائية مما يخرجه عن الشكل وقد يفضي الى تناقضهما.

هناك معضلة التزمت والمحافظة التي تقوى لدى بعض اعضاء البرلمان وهي غالبا ما تنكشف في مواقفهم ورؤاهم. خصوصا فيما يتعلق بالمراة العراقية والتشريعات التي تخصها وقد لانبعد عن الواقع عند الاشارة الى حالة خوف النساء على حقوقهن من اشتداد النزعة القبلية التي غالبا ما تتركز على المراة وتميل الى تقليص تلك الحقوق وتوسيع هامش القيود التي تحد من اسهامها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بهذا تتضح النزاعات التقليدية في المواقف المتزمتة التي نادرا ما تتعاطف مع الاصوات الداعية لمزيد من تحرر المراة ورفع القيود الاقطاعية البالية عنها ، لكي تشغل موقعها الوطني المستحق الذي يحفزها الى الانتاج والابداع بدلا من القصور والخمول.

لعل تصاعد المطالبة بتوسيع حقوق المراة في المجتمع المدني سيمثل اقوى تحد للبرلمان العراقي، وسيفوق صداه اثر المحاولات المبعثرة لابطاء وتائر التقدم في مجال تلك الحقوق.

ان تكيف البرلمانيين العراقيين وتوافقهم مع تيارات التحديث والتقدم والعولمة لابد ان يتجلى في تدعيم حقوق المراة وفي الاعتراف الصريح بما لحق بها من ظلم ولا جدال فان البرلمان يدرك جيدا انه قد انتخب من قبل الجماهير المحرومة والمتعطشة للتعويض عن العهود العجاف التي سادها القمع والفقر والامية. اذ ليس من العقل ولا الحكمة ان يتقاعس البرلمان عن الاستجابة الجادة لتلك التوقعات الطبيعية خصوصا ما يتصل منها بحقوق المراة المنسية واستحقاقات الفقراء والمسحوقين العراقيين الذين يشكلون اغرب واعجب مفارقة في العالم من حيث قسوة فقرهم المستديم الذي جنوه في بلاد الرافدين الاغنى بين بلدان الدنيا.

 

ثانياً: المؤهل المعرفي

يتصدر المؤهل الفكري والمعرفي بقية المؤهلات التي يتمتع بها البرلمانيون، ويكاد يصدق هذا التوصيف على اعضاء كل البرلمانيات . ومع صعوبة تحديد اصناف المعرفة لشدة تنوعها، لكن المتوقع من الاعضاء ان يستحصلوا بعضا من المعلومات السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية والاقتصادية بوصفها على تماس مباشر مع مسؤوليتهم التشريعية. ونظرا لاتساع افاق التشريع التي تشمل كل جوانب الحياة المعاصرة فان الثقافة الموسوعية ينبغي ان تصبح ضالة البرلمانيين الطموحين.

ومما يضاعف حاجة مشرعينا للمعرفة المعاصرة في اكثر من تخصص هو تراكم اهمال الحكومات السابقة للمؤهل العلمي والفكري وتجاهل وجود العلماء والاكاديميين والاعتماد على العسكريين والبروقراطيين التقليديين في ادارة شؤون الدولة.

ونظرا للتدفق الكبير غير المسبوق في مجالات العلوم والفنون والانسانيات والتكنولوجيا والميادين الثقافية عبر الانترنيت والفضائيات والدوريات الاكاديمية الفصلية ، فان القادة المشرعين سوف يضطرون الى توسيع هامش اهتمامهم الفكري والعلمي والانساني ليتاهلوا لقيادة شعبهم في مجالات الفكر المختلفة. وليكونوا على درجة رفيعة من الحذق والفهم في اداء مهامهم.

ولا يكفي ان يتعمق البرلمانيون في الادب العربي والتاريخ الاسلامي حسب بل لابد لهم من توسيع معلوماتهم عن الثقافات الانسانية الرئسية وتاريخ العالم ليكتسبوا احساسا متعمقا بواقع الانسانية في صورها وسياقات حياتها المتنوعة . من المؤكد ان البرلمان في هذا السياق يصبح حلقة ثقافية بين العراق والعالم (Muller, 1959 , pp .37.49).

ولا ننسى ان البرلمان العراقي الراهن يوشك ان يدخل معه الى البلاد افاقا فكرية وثقافية ومؤسسية جديدة ، خصوصا عندما نلاحظ غياب اي ارث حضاري للبرلمانات السابقة التي تشكلت في العهدالملكي والعهود الثورية التي اعقبته.على ان الوقت ما يزال مبكرا لتقويم الواقع الثقافي والمهني للبرلمان بصورة مرضية بحكم عمره الذي لا يتعدى بضعة اشهر، وهي لاتسمح الا بالقليل من الانطباعات. لابد من مرور بضع سنوات على نشاطات البرلمان الثقافية والتشريعية لكي يحق للمحللين اجراء تقويم علمي وفكري وتشريعي وسياسي.

هناك دور تثقيفي مجتمعي ينتظر ان ينهض به البرلمان العراقي مع مرور الوقت وتوافر المتطلبات وبضمنها الاصدارات والدوريات والمكتبات وفرص التاليف والنشر ووسائل الاتصال الجماهيري وغيرها من قنوات التواصل الفكري المستقبلية بين البرلمان وجماهير الشعب. ونفترض ان يسهم الانفتاح الفكري والتنوير الثقافي للبرلمانيين العراقيين في تنامي رؤيتهم الوطنية التي ينبغي ان تتسع لكل الفئات الاجتماعية والثقافية والمذهبية والاثنية المكونة للمجتمع العراقي. لاشك ان هذا الارتقاء الفكري السياسي والثقافي ياتي من خلال مجاهدة النفس والعقل والعاطفة لدى هولاء البرلمانيين وهي عملية طافحة بكل اصناف الاحباط التي تمليها عليهم خلفياتهم البعيدة عن هذا المنظور المجتمعي الوحدوي.

ومثلما  يحفز هذا الاتساع الفكري السعي الحثيث نحو تخوم الوحدة الوطنية فانه ينير نظرة البرلمانيين العراقيين الى العالم الانساني الذي لابد من التواصل معه عبر قنوات التفاهم الثقافي التي تفرضها مصالح الوطن وضغوط العولمة قد لا تتاح فرص التفاعل مع دول العالم وشعوبه الا للبرلمانيين الذين يمتلكون الثقافة الوطنية والعالمية المناسبة لعملية الاخذ والعطاء وتحقيق التفاهم الانساني ا لمشترك. ولعل من الخرافة واللاعقلانية اصطفاف المتنورين الديموقراطيين خلف عائق الانعزاال بحجة الحفاظ على الثقافة المحلية وتقاليدها . يتاكد ذلك في سعي الدول النامية لتوطيد علاقاتها الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية مع الدول الاخرى (خصوصا المتقدمة). وهكذا يتوفر الدليل على تهافت الموقف الانعزالي الجانح الى تفضيل الانطواء والاعتكاف نتيجة عدم جاهزية البعض للتفاعل البناء والمثمر مع العالم الخارجي.

 

ثالثاً: الهاجس المهني والحضاري

قد يبدو من المحال ان يضم اي برلمان ديمقراطي اعضاء مناوئين للديمقراطية. ربما سهل هذا الطرح قولا لكن قد يتعثر على صعيد الواقع والفعل خصوصا عندما لا يكون المجتمع قد تخطى مرحلة ديمقراطية الشعارات الى ديمقراطية الميول العفوية. وبغض النظر عن الاستثناءات المتمثلة في الاعضاء غير الديمقراطيين تظل الديمقراطية هي الارجح والاقوى من زاوية المصالح والاهداف الوطنية القريبة والبعيدة.

ومهما تكن درجة التوافق او التنافر بين المواقف الحقيقية والنظرية للبرلمانيين فانهم لا  يستطيعون تجاهل توقعات الشعب عن ولائهم ودعهمهم الصريح لكل تفصيلات النظام الديمقراطي. غير ان صيرورة التحول من النمط العشائري الى النمط الديمقراطي الحر تظل شاقة وبطيئة وشديدة الغموض بحكم تداخل قوى التقليد الرافضة وقوى الحداثة الداعمة للمسيرة الديمقراطية داخل البرلمان وخارجه.

ولا يجوز اغفال مثقفينا وبرلمانيينا حقيقة ان الديمقراطية جديدة فتية ولما تزل على اعتاب ثقافتنا الشعبية ويؤمل ان يكتب لها التغلغل الى عمق واقعنا الحياتي لاشك ان افتقار تراثنا السياسي والفكري الى الديمقراطية ينعكس سلبا على اداء برلمانيينا مثلما ينعكس على بقية الفئات النخبوية.

من الطبيعي ان ضمور الفكر الديمقراطي في تراثنا القومي والوطني يدفع نخبنا بضمنها البرلمانيين الى مراجعة الادبيات الغربية التي غالبا ما تنشر بلغات اجنبية خصوصا الانجليزيةالتي لا يجيدها كثيرمن الاعضاء فضلا عن بعد تلك الادبيات الواضح عن واقعنا الثقافي والاجتماعي وهكذا لا يقتصر التحدي الديمقراطي على الصعوبات الفكرية في فهم مضامينه المنشورة في الكتب، بل ويشمل افاق التعديل والتحوير والمواءمة وتحاشي الاستنساخ الاعمى.

لا يستبعد ان تشمل التعديلات والتكييفات كثيرا من العناصر النظرية والشكلية للنموذج الديمقراطي بهدف مواءمته مع مجمل الانماط الثقافية الوطنية. وتعد اليابان الانموذج الامثل لتحقيق التوافق بين الديمقراطية الغربية وبين تراثها الروحي والفكري والاجتماعي. لكن برلماننا ما يزال في مرحلة التاسيس الزاخرة باعقد المشكلات والتحديات الفريدة في التاريخ السياسي للامم. فهو مطالب باعادة صياغة معظم القوانين المدنية المنظمة  للحياة العراقية بكل مجالاتها وابعادها. فضلا عن بناء المؤسسات والمنظمات الكثيرة التي افرغت في الازمنة السابقة من مضامينها الحضارية والانسانية والقانونية.

هذه الاعباء والمهام الهائلة هي بعض ما ينتظره الشعب من البرلمانيين العراقيين ومع قسوة وشراسة الحاضر تبقى العقول والنفوس ترنو الى مستقبل الديمقراطية الحالم الذي يتولى البرلمانييون رسمه بغض النظر عن شحوب التجربة وتواضع المعطيات وقصورها عن الطموحات الوطنية الكبيرة.

ولا يستبعد لجوء البرلمانيين العراقيين الى الاستقراء الميداني بهدي من التجارب الراهنة المفتقدة للعمق التاريخي. مع  ذلك تفرز التجارب المتكررة مواقف عريضة يمكن الاسترشاد بها في تذليل الخلافات وتدعيم التقارب والتوافق. اذ تصبح مثل هذه التجارب بدائل للمراجع العلمية والفكرية.

 

افاق تنظيمية

اذا سلمنا بان البرلمان يتربع على كل اركان الحياة الوطنية فان اعضاءه لا يستطيعون تحقيق ادوارهم الا بتبني الرؤية الشمولية ومن البديهي ان رؤية كهذا تستوعب منطلقات ومنهجيات وادوات نظرية وفكرية تحيط بكل دائرة الحياة. ولا يراد بكل ذلك مجرد اكتساب المعرفة لاغراض علمية وفكرية خالصة. انما الغاية  تحسين  الاداء البرلماني وتعميقه و تقريبه من اهدافه السامية. ومع سعة هذه الافاق الا اننا نختار الاتي لشدة التصاقها بالاداء البرلماني.

 

البراغماتية

تتعزز اهمية البراغماتية (Pragmatism) في البرلمان بحكم تلطيفها الاجواء الساخنة المرشحة للانفجار وغالبا ما تتولد هذه الاجواء من الجدل الحامي الذي ينتهي عادة بمزيد من الاستقطاب والتخاصم . ومن المؤكد ان الخصومات والمساجلات الجدلية التقليدية يتوقع لها ان تهدد العملية التشريعية اذ ما اطلق لها العنان وتركت بدون ضوابط وادوات اجرائية محددة . وينبغي توظيف قدر من التنظيم البيروقراطي الذي لابد للنواب من مراعاة بعض اصوله ليتحاشوا الفوضى التي تهدد النظام البرلماني والمناخ الديمقراطي عموما(Frankel,1962,p.103).

وهكذا تستطيع البراغماتية احالة الجدل غير المنضبط الخارج عن اصول التفاهم الى حوار يحقق نتائج ايجابية. الجديرذكره ان بعض العراقيين مغرمون بالجدل وقد يتخذون منه وسيلة للتغالب وليس كاداة لبلوغ الحقيقة وكثيرا ما تكون الغلبة في الجدل للشخص الاكثر بلاغة وفصاحة حسب طبيعة التقليد. وقد يكون الحق بجانب الشخص المهزوم الا ان بلاغة الطرف المنتصر هي التي رجحت كفة الباطل.

وبغض النظر عن المجادلات التي شوهدت في جلسات البرلمان القليلة فان المطلوب ضرورة التركيز على الاسلوب الحضاري في التفاهم . كفانا اننا اضعنا قرابة قرن من دوامة الجدل والخصومة والحروب والانقلابات ولابد لنا ان ندخل الى عصر الدبلوماسية والتفاهم السلمي والحضاري. ومن المؤكد ان البراغماتية لما تتسم به من وسطية ومرونة وتنازلات متقابلة هي من انجع الوسائل العلمية التي يحتاجها البرلمان للحفاظ على اجواء التوافق ومد جسور الوطنية بين الفرقاء.

ولعل مما يلطف اجواء النقاشات البرلمانية احترام راي الاخر وضبط العواطف والانفعالات المعرضة للانفلات بالرغم من صدق النوايا.

اما اثر البراغماتية في تلطيف الامزجة المشتركة في النقاش فيرجع على الاكثر الى التنازلات المتبادلة التي تحقق للمشاركين الشعور بالرضا بدلا من احساس البعض بالهزيمة.

علاوة على ان البراغماتية تفسح المجال لتنوع الاراء والمواقف واعادة صياغتها لتؤلف تشكيلة فكرية اغنى مما لو اقتصرت على راي متطرف واحد. ومن سماتها المهمة تنشيط حافز الكلام والنقاش لدى الاعضاء ما دامت مساهماتهم في هذا السياق تعد اغناء للعملية التشريعية في اطار الاجواء السلمية الهادئة المحيطة بها.

 

الهاجس الوطني:

كما اسلفنا يعد انتخاب الافراد لعضوية البرلمان شرفا كبيرا مثلما هو عامل يعمق اندماج الاعضاء الكلي بالوطن على كل مستويات العملية الانتخابية. فضخامة المهام التي تنتظر البرلمانيون العراقيون تتشابك عضويا وبنيويا مع المصالح وتطلعات كل الشعب حاضرا ومستقبلا. وبناء على هذا الارتباط لابد ان يتناسب شعور هولاء الاعضاء بالمسؤولية مع درجة  جسامة هذه المهام وما يترتب عليها من اثار ونتائج.

ومع ان البرلمان يعمل داخل القبة الا ان القرارات الصادرة عنه تؤثر في حياة المجتمع بكامله، وهو يرتبط بنيويا وذهنيا مع الشرائح الاجتماعية كلها ولابد لاعضائه ان لا يغفلوا او يتغافلوا عن ذلك الارتباط.

لكننا لانستطيع تقييم مدى الاندماج او الاستغراق الوطني لاعضاء البرلمان خصوصا وان تفجر الاوضاع وتردي الامن والخدمات، مع قلة الجلسات قد خلقت ضبابا كثيفا يحول دون تبلور صورة هذا التنظيم الحيوي.

لكن ما يؤمل من البرلمان هو ان يحسن قراءة الاحداث العاصفة التي تجتاح العراق ويتوصل للاستنتاجات الصائبة التي سيعتمد عليها اعضاء في العمليات التشريعية المرتقبة . اما المحك الحقيقي لنجاح البرلمان فيكمن في مدى حرصه على مصالح الشعب وتلبية مطالبه واحتياجاته المستعجلة التي ترفض الانتظار والتباطؤ.

ويتميز البرلمان عن بقية المنظمات المدنية في كونه يمثل فريق عمل تذوب فيه التكتلات والتحزبات الفئوية. ذلك لان هدف البرلمان تمثيل الشعب والدولة وصيانة وحدتهما وحفظ الدستور والقانون والذود عن الحرية والديمقراطية. ومن المؤكد ان ادراك هذه الاهداف كفيل بتذليل الخلافات والتباين في الاراء وتحقيق الاجماع في القرارات النهائية.

 

النموذج المستقبلي

لعل الاجندة لا تخلو من اعادة بناء الانموذج الوطني العراقي(National character) (Bock,1980,p107) ولكن قد يستغرب البعض من ادراج هذه المهمة هنا اعتقادا منهم بانها وظيفة المؤسسات التربوية. والحقيقة ان التشريع المتطور يضع بين اولوياته الاهداف التربوية الاستراتيجية الخاصة بتصميم الشخصية الوطنية والادوات والمناهج والبرامج المؤدية الى ذلك.

من الواضح ان معاناة الشخصية وحرمانها عبر الخمسين عاما الماضية يجعل عملية اعادة بنائها من اضخم المشروعات الوطنية واعقدها. ومن الطبيعي ان يتركز التاكيد على رفدها بحب الوطن والولاء والانتماء اليه وللشعب، والتشبع بالحرية والديمقراطية، والاستقلالية الذاتية والاعتماد على النفس. ورفض التواكل والكسل والميل للعمل والانجاز، والتسلح بالفكر الوطني والانساني والاعتزاز بالتعددية بكل الفئات الوطنية وتبني الاعتدال ورفض التعصب في كل اشكاله.

يحسن القول هنا ان نشاة الصغار لابدان تشرع لها قوانين خاصة مع اظهار الاهتمام الاستثنائي بالاسرة والام التي طالها الاهمال الرسمي عقودا طويلة. لاشك ان البرلمان يتحمل مسؤليات كبيرة لتحسين ظروف الاسرة وتعويضها عن قسوة ذلك التقصير المدمر.

ولعل هذه هي المرة الاولى في تاريخ العراق الحديث التي تتاح فيها للاسرة العراقية فرص النهوض في ظل الاجواء الديمقراطية الشفافة التي تسمح بانتقادات الحكومة وبطرح كلما يتراى للمحللين والخبراء من خطط ومقترحات تستهدف تعويض الاسرة عما لحق بها من ظلم. واذا كانت الدول الديمقراطية الناهضة تفخر بما وفرته لاسرها واطفالها من حياة حرة كريمة، فان بيوت الطين والقصب التي تاوي اهل الريف العراقي ما تزال تجرح الكرامة الوطنية وتولد ضغينة الفقراء ازاء الموسورين.

المؤمل ان ينهض البرلمان العراقي مع بقية اجهزة الدولة بمسؤولياتها الوعرة في الريف والحضر . مستهدفا تحسين ظروف الاسرة التربوية وملاءمتها لنشاة اجيال مفعمة بحب الوطن والاستعداد العالي بخدمة الشعب والانفتاح على الاخر.

فضلا عن ضرورة تدارك اتساع الامية في الارياف لدرء تداعياتها الخطرة التي تهدد التكوين الحضاري والانساني للبلاد.

لاننسى اثر البرلمان في تعزيز التضامن الاجتماعي والتازر بين الفئات المجتمعية من كل الاصناف ويتبين لنا من قراءة للتاريخ المعاصر ان الشخصية العراقية تميل الى الاندماج مع كل الفئات كما يتضح من اتساع حجم التزاوج عبر المذاهب والقوميات والاقاليم، والانفتاح على الفئات المتنوعة كما يتضح من الاختلاط السكاني في الاحياء السكنية وانتماءات النوادي واتساع الصداقات عبر الاديان والقوميات ولاثنيات لاريب ان الشخصية البرلمانية لابد لها ان تكون قدوة للشعب بكل شرائحه وفئاته من خلال الشخصية العراقية المثلى التي يتشرف باقتدائها العراقيون.

<p style="text-justify: inter-ideograph; text-align: justify; margin: 0cm 0cm 0pt; mso-margin-top-alt: auto; mso-mar

الرجوع الرجوع

 


الصفحة الرئيسية   
من نحن    نبذة عن المشروع    هيئة الرئاسة    أخبار المجلس    أخبار المؤسسة    الكيانات السياسية    اعضاء البرلمان    لجان البرلمان    الاحزاب السياسية

جلسات البرلمان    التشريعات    الرقابة    الوثائق     تقارير المصدر    بحوث ودراسات    معرض صور    الروابط    اتصل بنا