تتصفح حاليا موقع المرصد النيابي العراقي للدورة البرلمانية الثانية للفترة من 2014 ولغاية 2018 للانتقال الى موقع الدورة الحالية اضغط هنا

    Logo     تنويه     Logo     مجلس النواب يعلن انتهاء عمله للدورة الحالية     Logo     اطلاق التقرير النهائي     Logo     مؤتمر اطلاق التقرير النهائي     Logo     القراءة الثانية لمقترح قانون التعديل الرابع

 

هل تعتقد ان اداء مجلس النواب الحالي هو افضل من الدورة السابقة ؟

  نعم
  لا

مجموع الأصوات 687

 

 

التقرير النهائي للدورة الثالثة 2014-2018
تقرير شهر ايار /2018
تقرير السنة التشريعية الرابعة للدورة الثالثة

 

الدستور العراقي
امن العراق ووسائل تحقيقه
توجهات الاستثمار في الاقتصاد العراقي بعد 2003
مبدأ التسامح انساقه الفكرية ودوره في تعزيز العملية السياسية
مبدأ الفصل بين السلطات



 

جلسة تداولية

 
  فقرات الجلسة
محضر الجلسة
 

 

 


 
 

 

 

البرلمانية والاسلام د خليل الربيعي .....خاص لمدارك

البرلمانية .....

والاسلام

د.خليل الربيعي

من الواضح عند المتابعة التحليلية لأنظمة الحكم التي تصف نفسها بالاسلامية، انها لم تعتمد على صيغة معينة ومطردة في كل النظم، مما يعطي الانطباع ان الاسلام لم يقدم انموذجا خاصا بشكل الحكم وانه تناول بعض المفكرين الاسلاميين موضوعة تعيين الحاكم او اختياره وصفاته بشيء من التفصيل قياسا على التجارب الموجودة.

كما ان التنظير الاسلامي في هذا المجال جاء متاخرا عن نماذج الحكم، بل وفي احيان كثيرة اتصف بطابع التبرير، واعتماد السوابق التاريخية اساسا في الاستنباط والاستنتاج.

وتذهب كثير من الابحاث الاسلامية المعاصرة الى القول بان الاسلام ترك للامة اختيار شكل الحكم طبقا للظروف الموضوعية، اي ان شكل ونظام الحكم يدخل في الدائرة المرنة في الفهم الاسلامي خلافا لبعض القضايا التي تدخل ضمن دائرة الثبات مثل لاحكام والحدود وبعض العبادات في الاطار التفضيلي وان كانت كل العبادات تدخل في دائرة الثبات من ناحية العموم وفي ضوء ذلك فان الفكر الاسلامي الذي اتصف في اغلب اطروحاته، بالتاثير بالواقع الفكري والموضوعي قدم حلولا معينة لطبيعة الحكم وشكله ومن بين هذه الحلول نظرية سيادة الامة التي انيطت بالامة مهمة ادارة الدولة وتشكيل مؤسساتها وتحديد العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية(1).

وفي ظل نظرية سيادةالامة تبرز مسالة البرلمانية شكلا من اشكال الحكم، و يحاول هذا البحث ان يجد او يقف على مواقف الاسلاميين منها.

ولكن قبل ذلك لابد من تحديد سمات النظام البرلماني لنرى مدى ملاءمة بعضها للموقف الاسلامي، ويمكن اجمالها بان هيئاته العامة تتصف بثنائية الجهاز التنفيذي اي وجود رئيس للدولة غير مسؤول سواء اكان هذا الرئيس ملكا كما في الانظمة الملكية التي تاخذ بهذا االنظام  ام رئيسا كما هو الحال مع الانظمة الجمهورية او حاكما ورئيسا للحكومة وحكومته التي تكون مسؤولة امام البرلمان بغض النظر عن جماعية المسؤولية امام فرديتها(2).

وفي ظل النظام  البرلماني، فان مبدا الفصل بين السلطات يكون مرنا، اي ان هناك توزيعا للاختصاصات وتداخلا احيانا، فالسلطة التشريعية تعتني بالجانب التشريعي ولكن لا يمنع ذلك السلطة التنفيذية ان تقترح القوانين بل وتصادق عليها لكي تكون نافذة ضمن اليات يحددها الدستور.

ويكون للسلطة التشريعية حق مراقبة السلطة التنفيذية واستجوابها واحيانا حجب الثقة عنها في حين تملك السلطة التنفيذية حق حل البرلمان حسب الدستور(3).

والسلطة التشريعية عادة ما تنتخب مباشرة من الشعب عبر الانتخابات الدورية، والتي تحدد عادة اما في الدستور او في قوانين الانتخاب.

وفي ضوء هذه الخصائص يمكن ان نفهم الموقف الاسلامي منها.

كما هو واضح ان الفكر الاسلامي المعاصر قدم اطروحتين للتعاطي مع الحكومة الاولى تقدم على التعيين الالهي، وان هذا الامر متروك الى الله تعالى، وهو ما تمثله نظرية الحاكمية التي راجت في الادبيات الاسلامية السنية على يد مؤسسها ابو الاعلى المودودي، التي ذهبت بعض الاراء الى تاثيره بالنظرية الشيعية حول الامامة، كما ان نظرية ولاية الفقيه هي الاخرى مثلت هذا الاتجاه لاسيما اطروحة السيد الخميني حولها، وان تنوعت فيما بعد الاراء بصدد علاقة الامة بها، واثرها في عملية الاختيار والقرار ولكن جميعها تحصر السلطة بيد الفقيه.

اما الثانية فتؤمن بان الامة مصدر السلطات، وان مشروعية النظام السياسية مستمدة من موافقة الامة عليه، بغض النظر عن طريقة الاختيار سواء كانت عن طريق الشورى او الانتخابات وفق اليات الديمقراطية المعاصرة.

ومن الطبيعي ان الاتجاه الاول سوف ينتهي الى رفض البرلمانية لاسباب منها ان الجانب التشريعي والتنفيذي من مختصات الله سبحانه وتعالى "ان الحكم الا لله" "ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون " الى غير ذلك من النصوص، فلا يحق للامة ان تمارس دور التشريع كما هو الحال في النظم البرلمانية، بل ان مهمة التشريع منوطة بالفقهاء الذين يمتلكون القدرة على استنباط الاحكام الشرعية من مصادرها الاساسية.

كما ان هذا الاتجاه يذهب الى التداخل بين السلطة التشريعية والتنفيذية حتى ان بعضهم يذهب الى دمجها بشخص واحد قياسا على التجربة الاسلامية بعد وفاة الرسول (ص).

واذا كانت نظرية الحاكمية تبتعد كثيرا عن النظام البرلماني في طروحاتها فان نظرية ولاية الفقيه يمكن لها ان تقترب في بعض صورها من النظام البرلماني لاسيما تلك التي تزاوج بين الولاية وسيادة الامة، اذ يمكن ان ينتخب مجلسا تشريعيا يضم خبراء بالفقه الاسلامي من قبل الامة تكون وظيفته تشريع القوانين في الامور المستجدة او ما يعبر عنها باصطلاح الحديث (الحوادث )(4).

ويمكن للبرلمان ان يختار السلطة التنفيذية من بين اعضائه، ويترك لها امر تشكيل الحكومة، وتكون مسؤولة امام البرلمان، ولكن تبقى مهمة الولي الفقيه الذي يستطيع ان يعطل القوانين التشريعية اذا كانت تتعارض مع قيم الاسلام وثوابته العامة.

ويبقى الاتجاه الثاني، الذي يؤمن بان الامة مصدر السلطات هو الاقرب الى الفهم البرلماني من الاتجاه الاول، ويمكن ان نقوم بعملية التكييف الفقهي له من خلال مجموعة من المحاور الاتية:

ان النظم البرلمانية تستمد مشروعيتها من ارادة الامة والتي تكون الانتخابات كاشفة عنها، ولذا فانها تعتمد على مبدا سيادة الامة او الشعب اساسا اوليا لها. ولذا سنحاول تحديد الموقف الاسلامي منها:

 

سيادة الامة :

تتنازع الفكر الاسلامي نظريتان حول مصدرية السلطة، احدهما تجعلها لله تعالى، والاخرى للامة، وحول هاتين النظريتين تدور جدالات ونقاشات حول صوابية احدهما وخطأ الاخرى.

ومع قناعتنا التامة انه لاتعارض من الناحية الاسلامية بين الرؤيتين، اذا ما جرى ترتيبهما ترتيبا طوليا، بحيث تكون سيادة الامة مستمدة من سيادة الله تعالى.

ومن حيث المبدأ فان السيادة لله تعالى بعنوان الربوبية التي تعد من الصق صفات الله الفعلية بالانسان والكون، والتي تعني في جانب منها التدبير والتوجيه لكل ما موجود في الكون على وفق ما خططت له الارادة الالهية. وربما تكاد أن تكون هذه الفكرة من البديهيات لدى المسلمين حتى عد الاشراك مع الله من الكبائر التي تعني مشاركة غير الله في التدبير على نحو الاستقلال بغض النظر عن ما هية الشريك، صنما كان ام وثنا، انسانا ام ملكا وربما هذه كانت وراء رفض مبدأ سيادة الامة باعتباره يعطي الامة حق المشاركة مع الله تعالى في تقرير امر الانسان.

ولكن هذه السيادة (الربوبية) اعطيت من الله سبحانه وتعالى للانسان بعدِّه خليفة له في الارض ـ طبقا لنظرية الاستخلاف القرأني.

ومن الواضح ان هذه النظرية تقوم على مثلث المستخلِف والمستخلَف وموضوع الاستخلاف، والذي يحكم العلاقة بين الانسان والله والطبيعة والتي تخل كما يذهب الشهيد الصدر الى خطين من العلاقة الاول علاقة الانسان باخيه الانسان، والاخر علاقته بالطبيعة(5).

وعملية الاستخلاف التي تعني الادارة والتدبير في جانب منها ليست متروكة لارادة الانسان واختياره وانما هي قرار رباني عبرت عنه الاية القرأنية الكريمة "اني جاعل في الارض خليفة" وهنا تتبين العلاقة بين سيادة الامة والسيادة الالهية اذ ان الثانية متفرعة ومفوَّضة من الاولى ولا يمكن ان يكون هناك استخلاف ما لم تكن هناك صلاحيات ممنوحة للمستخلَف من المستخلِف.

وكما ذكرنا فان الاستخلاف عام وشامل لكل البشر وهنا تتساوى المسؤولية ولا يوجد تمايز بين ابناء البشر من ناحية الاستخلاف. وذلك فان الانسان اصبح مسؤولا بصورة تضامنية مع غيره في كيفية ادارة الارض بما يحقق السعادة الانسانية في الحياة الدنيا والاخرة.

وربما يمكن ان نفهم ان السيادة كانت للامة في الادارة السياسية وغيرها في المرحلة الاولى من قوله تعالى " كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" اذ ان الاصل طبقا لهذه الاية السيادة للامة  في المجال السياسي، وان كان هناك تعليم رباني للانسان بوسائل متعددة، وان هذه السيادة سلبت منهم في الجانبين التشريعي والتنفيذي بعد ارسال الرسل، اذ انيطت بهم مهمة ادارة الدولة ونقل التشريع الرباني(6).

وبذا فان البشرية مرت في ثلاث مراحل من ناحية السيادة هي:

اولا: سيادة الفطرة وهي المرحلة التي سبقت ارسال الرسل والكتب وان كانت فيها انبياء ولكن هذه السيادة ادت الى التنازع والاختلاف الامر الذي تطلب تدخل العناية الالهية لممارسة دور الربوبية والتوجيه فسلبت من الامة حق الاختيار للحكّام والذين كانوا طبقا للنصوص الدينية الانبياء والرسل وهنا بدأت المرحلة الثانية:

ثانيا: سيادة الله وتمثلت هذه المرحلة بالمدة الممتدة من نوح(ع) حتى اخر رسول هو الرسول(ص) طبقا لدعاة نظرية الحاكمية وسيادة الامة وانتهاءا بالائمة المعصومين لدى الشيعة الامامية. وفي هذه المرحلة لاوجود لارادة الامة في الاختيار، حتى ان النصوص القرأنية جاءت لتؤكد هذه الحقيقة عندما استخدمت لفظة الجعل في اختيار المناصب.

ولكن لا يعني هذا التزام الامم بهذه السيادة اذ نجد ان اغلبها كانت تعتمد على سيادة الامة.

ثالثا: سياد الامة، وتمتد مدتها منذ وفاة الرسول(ص) الى يومنا هذا لدى بعض المدارس الاسلامية ومن غيبة الامام المهدي(ع) عام 260 هـ لدى مدارس اسلامية اخرى اذ تذهب بعض الاتجاهات فيها الى رفض نظرية ولاية الفقيه وتبني سيادة الامة.

واذا آمنا بهذه النظرية التي تفترض المساواة بين ابناء الامة الواحدة في مجال الولاية انطلاقا من قوله تعالى "المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض" فان سيادة الامة تحتاج الى آلية او معيار لاختيار من يتولى السلطة التنفيذية والتشريعية وهو ما اوضحته الدراسات الاسلامية المعاصرة عبر اليتين هما:

 

1. الشورى:

تحاول بعض المدارس الفقهية السياسية الاسلامية تاطير الشورى ووضعها كالية للتعبير عن سيادة الامة محاولة الافادة من النصوص القرانية  ذات الصلة او من التجربة الاسلامية العملية.

وحاولت بعض الدراسات اعطاء صفة العموم  للشورى بحيث تشمل كل مسلم متجاوزة التاطير الفقهي السابق الذي يحصرها باهل الحل والعقد، ولتجعل منها مفهوما مرنا يتعاطى مع الواقع الاسلامي المعاش.

وحاولت ان تخرج ايضا من دائرة عملها والتي كانت محصورة على اختيار الحاكم على نحو الالزام والاستشارة في الموارد الاخرى على نحو الندب والاستحباب لتوسيع هذه الدائرة وتجعلها تدور في اطار اختيار السلطة بانواعها الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية ولتضفي عليها صفة الالزام في الاختيار. ولكن تبقى الشورى تواجه مشاكل في التعبير عنها من ناحية ومن ناحية اخرى في شمولها لكل افراد الامة طبقا لنظرية سيادة الامة .

ان الشورى لايمكن ان تحصل ما لم نجد الية لها، وربما تنتهي الى الية الانتخاب اما ما يرتبط بشمولها فان هناك اتجاها لازال يرفض مشاركة المراة في الشورى، بل يحصرها بالرجال ويمنعها حتى من ممارسة دورها الرقابي على السلطة عملا بما نسب من ماثور. وهو امر لايستقيم مع فكرة ان المراة لها نفس حقوق الرجل السياسية والاجتماعية كما نصت على ذلك الاية التي تحدثت عن الولاية المتساوية بين المؤمنين والمؤمنات .

ولكن يمكن حتى في اطار رؤية اهل الحل والعقد الافادة من الشورى لتاكيد الطابع البرلماني واضفاء الشرعية عليه، حيث ان الشورى كانت محصورة بذوي الاختصاص من الفقهاء واصحاب الخبرة في المجالات التي تهم الدولة، وكانت عملية اختيارهم تتم عبر البروزالعلني في المجتمع اما في الوقت الحاضر فيمكن وضع مواصفات معينة لاهل الشورى ربما تقترب من صفات المرشحين ثم يتم اختيارهم  عن طريق الانتخابات، وان تعطى لهم صلاحية اختيار السلطة التنفيذية بشقيها الرئيس ورئيس الحكومة، مثلما كان يعطي لاهل الشورى حق اختيار الحاكم.

 

2.  الانتخاب:

تذهب كثير من الدراسات الاسلامية الى امكانية الافادة من اليات الديمقراطية في تجسيد سيادة الامة كالترشيح والانتخاب، وهي بهذا الطرح تتخلص من الجانب الفلسفي للديمقراطية، وتجعلها ذات صفة عامة تنطبق على كل المراحل وكل الاماكن(7).

ويمكن عند التطبيق ان نقيم نظاما برلمانيا يعتمد على التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.

ولكن لابد من ملاحظة ان النظام البرلماني الذي يؤمن به الاسلام، لا يمكن ان يكون نظاما علمانيا يحاول فصل الدين عن الدولة، بل هو نظام برلماني يقود الى اخفاء الصبغة الاسلامية على الحكومة، اذ لا يقبل الاسلام ان تكون السلطة التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية بيد غير المسلم والا لا توصف الدولة والحكومة بالاسلامية.

ولتحقيق هذا الامر هناك صيغتان الاولى، ان نضع ضمن شروط الترشيح شروط الاسلام، وفي هذه الحالة تكون الديمقراطية او الياتها ناقصة اذ تمنع بعض المواطنين من الترشيح ولا غرابة في ذلك اذ ان اغلب الدول تضع شروطا في هذا المجال تضيق من دائرة الترشيح لهذه المناصب.

واما الصيغة الثانية، فتعمد الى ترك الانتخاب يجري بصورة طبيعية، وفي هذه الحالة سوف لن يفرز في البلاد الاسلامية الا حاكم اسلامي، بل وحتى الجانب التشريعي يكون في اغلبه اسلاميا.

ومما يعزز اهمية الانتخاب ان الاسلام فيه نمطان من الاحكام الاولى، الاحكام الثابتة والاخرى احكاما مرنه اذ يمكن ان تتغير بتغيير موضوعاتها وهذا التغيير يتطلب وجود جهة تشريعية تقدم بهذه المهمة وهي السلطة التشريعية اذ لايمكن ان يترك الامر لاجتهادات الفقهاء غير المنضبطة لان ذلك سيؤدي الى التعارض واحيانا التصارع حول بعض القضايا وهو امر اذ جاز في الامور الفردية (علاقة الفرد مع الله سبحانه وتعالى) فانه لايجوز في حالة الدولة التي يقتضي ان تعمل على تحقيق الوحدة الوطنية.

واذا كانت مرحلة ما بعد الرسالة لم تكن بحاجة كبيرة الى التشريع بسبب قرب عصرها من عصر النزول ووجود الصحابة وقلة الحوادث، فان المرحلة الحالية تكون الحاجة فيها اشد لتباعد المسافة الزمنية وتعقد الحياة الاجتماعية والسياسية والحاجة الى التنظيم والادارة وهذا يقتضي ضرورة وجود سلطة تشريعية تستمد مشروعيتها من ارادة الامة.

والى جانب هذا، فان الاسلام ترك مسافة اكبر هي التي يعبر عنها بمنطقة الفراغ التشريعي وهذه المسافة ذات طابع اجتماعي في اغلبها مما يتطلب وجود سلطة تشريعية على مستوى البلد تقوم بعملية املاء هذه المنطقة بالاحكام الشرعية ولا يشترط ان تكون هذه الاحكام على شكل فتاوى واراء بل احيانا كثيرة تتطلب وجود صيغة قانونية او تعليمات وهذه الحالة لايمكن تقريرها ما لم توجد هيأة تشريعية.

يضاف الى كل هذا فان الاسلام ترك مساحة كبيرة للامة تنظمها على وفق مصالحها شريطة ان لا تخرج من المقاصد الاسلامية وهي دائرة المباح اي التي لايكون للاسلام فيها الزام او راي وهذه الدائرة تحتاج الى تقنيين جماعي على شكل قوانين كاحكام البناء والمرور وغيرها.

اما بالنسبةالى تعدد السلطة التنفيذية بين رئيس او ملك غير مسؤول ورئيس حكومة مسؤول امام البرلمان، فمع ان الاسلام لم يشر الى هذا النوع من الحكومات الا انه لايوجد دليل يمنع من ذلك، طالما انه يحقق اهداف الاستخلاف الانساني، وشهدت تجارب اسلامية مثل هذا التعدد، كما هو الحال في الخلافة العباسية، بين الخليفة الذي لا يحكم وغير مسؤول امام احد، لاسيما في مدة ضعف الخلافة العباسية، وبين السلطة الفعلية التي كانت في اغلبها بيد الامير وقادة الجيش، ولم نجد من الباحثين الاسلاميين من سلب الشرعية عن هذه الخلافة حتى في اوان ضعفها ثم تطورت الامور حتى اصبح يطلق على الحاكم الفعلي الوزير، وجاء الماوردي وغيره ليستفيدوا من هذه التجربة ويحددوا انواع الامارة ، وكأن الامر لا يوجد فيه اي اشكال شرعي(8).

بل الاكثر من هذا فان هناك في الوقت الحاضر من ينظِّر لهذه التجربة، كما هو الحال مع حزب التحرير الاسلامي الذي يقسم الدولة الاسلامية إلى ولايات ويؤمن بوجود امارات كما كان في السابق(9).

ويمكن الاسترشاد بالتجربة الاسلامية في مجال تعدد السلطات والاختصاصات اذ ان السلطة القضائية كانت بيد شخص غير الخليفة او الحاكم الفعلي كما هو الحال مع شريح القاضي في زمن عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب واستمرت هذه التجربة حتى سقوط الدولة العثمانية، وان كان القضاة يعينون من  الحاكم (الخليفة).

اما بالنسبة الى توزيع السلطات بين التنفيذية والتشريعية فلابد من القول ابتداء ان الاسلام يحارب الدكتاتورية ويقف بوجه الطغيان ولعل كثرة من الايات القرآنية تشير الى هذا المعنى وازاء هذا فان النظام البرلماني يقوم بتوزيع الاختصاصات وعدم حصرها بيد الحاكم ومن الطبيعي ان تنسجم الرؤية البرلمانية مع هذا التوجه الاسلامي سيما وان الاسلام يعتقد ان النظام الشمولي يؤدي الى تفتيت الوحدة الوطنية ويعمل على اعاقة التنمية وبناء الدولة وازدهارها.

ومع هذا فان مرحلة ما بعد الرسالة شهدت بذور جينية لتوزيع السلطات التنفيذية والتشريعية لاسيما في مدة خلافة عمر بن الخطاب، اذ كثيرا ما كان يستشير حول الاحكام القضائية وامور التشريع.

وعلى الرغم من ان هذه الاستشارة لم تكن ذات طبيعة دائمية، ولا توجد لديها هياة معينة، وان كان احد الباحثين(10). يعتقد وجود هياة دائمة وهي هياة اهل الحل والعقد، ولكن ربما لبساطة الدولة انذاك وعدم الحاجة الى هيئة تشريعية منظمة وتجتمع دوريا، كانت وراء عدم انفصال السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية.

ولكن يمكن لهذه الهياة ان تتطور لتصبح مجلسا برلمانيا منتخبا يؤدي وظيفة تشرعية شريطة ان تعطي لقرارتها صفة الالزام وتخرج من دائرة الاستشارة كما هو الحال في السابق.

كما انه يمكن الافادة من تجارب الدول الاسلامية المعاصرة في مجال النظام البرلماني اذ اغلب هذه الدول تاخذ بالانتخابات وتوجد لديها برلمانات وان اختلفت طبيعة هذه البرلمانات من ناحية الوظيفة من بلد لاخر.

اذ في الدولة التي لاتتبنى نظرية ولاية الفقيه تعطي للبرلمان دورا تشريعيا واضحا بل حتى في جمهورية ايران الاسلامية فان البرلمان يمتلك سلطة تشريعية في موارد لا يكون للشريعة راي فيها وكذلك في الموارد التي يوجد راي اسلامي فيها، وان كانت سلطة المرشد تستطيع تعطيل القوانين، اذا كانت تتعارض مع الشريعة الاسلامية.

كما ان تطبيق النظام البرلماني يمثل ضمانة امام اهتزاز النظام السياسي اذ يعطي المجال للامة للمشاركة في عملية صنع القرار بما يعد من حالات التذمر والاستياء ويقلل من عوامل الانقلاب والثورة على النظام.

اما ما يرتبط بدور الرقابة الذي يمارسه البرلمان على السلطة التنفيذية وحقه في حجب الثقة عن الحكومة، فيمكن ان نجد له اساسا شرعيا من طريقين:

 

الاول : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر:

يعد هذا المبدأ من المبادئ الاساسية للاسلام، حتى عد من  بعض المدارس الاسلامية من فروع الدين لاهميته، بل هو الاداة الاساسية للمحافظة على الدين وان العبادات في جانب منها تسهم في تعزيز دور هذا المبدأ عن طريق تعزيز الشعور لدى الفرد بضرورة الاصلاح والتغيير.

وهذا المبدأ يمكن ان نتصور له اشكال متعددة منها:

1. وجود هياة خاصة تقوم لمحاسبة ومراقبة اداء السلطة التنفيذية ويمكن ان تعطي هذه المهمة للبرلمان بعده هيئة منتخبة من الشعب شريطة ان تتوفر فيه عناصر الكفاءة والنزاهة والاخلاص والوطنية في الاداء.

2 . وجود هياة فوق البرلمان والسلطة التنفيذية مهمتها الفصل في النزاعات بينها وتوجيه الانتقادات ومحاسبة كل منهما وهذه الهياة تاخذ بعدا قانونيا وقضائيا اكثر منها رقابيا.

3 . وجود منظمات المجتمع المدني التي تؤدي دورا رقابيا لاداء السلطتين التنفيذية والتشريعية وكلها تعمل وفق مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4. رقابة شعبية عامة على كل الاداء الحكومي والتي يمكن ان تمارس هذه الرقابة عبر الانتخابات عندما تغير اصواتها ازاء المرشحين.

وفي ظل هذا المبدأ الذي يعم الكل فان هذا المبدا يعطي ايضا للسلطة التنفيذية حق ممارسة هذا المبدا تجاه البرلمان عبرالدعوة الى حله اذا ما ادركت ان وجوده يشكل اعاقة امام الدولة في تحقيق اهدافها.

وازاء هذا يمكن ان نجد اساسا اسلاميا لهذه الحقوق المتبادلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

الثاني : تفويض الامة:

كما ذكرنا سابقا وطبقا لنظرية سيادة الامة، فان الامة لها الحق في ممارسة صلاحيات ادارة الدولة، وهذا الحق فوض الى السلطة التشريعية (البرلمان) عبر الانتخابات، ومن الواضح ان الامة لها دور في المصادقة على الدستور الذي يحدد هذه الصلاحيات وعند انتخاب البرلمان فان النتيجة المنطقية هي قبول الامة اداء البرلمان هذا الدور الرقابي والمحاسبة للحكومة وسحب الثقة منها.

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول ان الاسلام لم يتبن نظاما معينا، وان كانت له ثوابته الخاصة ومنها منع الدكتاتورية والاستبداد والتسلط، وانه طبقا لبعض النصوص القرأنية والممارسات العملية تستطيع ان توظف بعضها لدعم النظام البرلماني طالما يحقق التوازن في السلطة ويعمل على المحافظة على استقرار البلد وضمان وحدته الوطنية اذ ان مبادئ الشورى والولاية المتساوية والامر بالمعروف والنهي عن المنكر كلها تسهم في تكوين رؤية مؤيدة للنظام البرلماني اسلاميا.

 

الهوامش

1. ينظر: شمس الدين، محمد مهدي، في الاجتماع السياسي، بيروت ادارة الكتاب 1998، ص 115.

2. شفيق العاني، حسان، الانظمة السياسية المقارنة، بغداد، مطبعة الجامعة، 1995 ، ص 38 .

3 . م. س، ص 39.

4 . ينظر: الكليني، محمد بن يعقوب، اصول الكافي، ج2، قم، 1397هـ ، ص 218.

5 . الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، د. م، د. ن، د. ت ، ص 173.

6 . الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج2، بيروت، مؤسسةالاعلمي، 1972، ص 134.

7 . ينظر: الشكرجي، ضياء، مثلث الاسلام والديمقراطية، والعلمانية، بيروت، د. ن، 2000.

8 . ينظر: الماوردي، ابو الحسن، الاحكام السلطانية، بيروت، دار التراث، 1984.

9 . ينظر: البرنامج الخاص بحزب التحرير الاسلامي، ( منشورات الحزب ).

10. عمارة، محمد، المعتزلة واصول الحكم، القاهرة، دار الشروق، 1998، ص213.

الرجوع الرجوع

 


الصفحة الرئيسية   
من نحن    نبذة عن المشروع    هيئة الرئاسة    أخبار المجلس    أخبار المؤسسة    الكيانات السياسية    اعضاء البرلمان    لجان البرلمان    الاحزاب السياسية

جلسات البرلمان    التشريعات    الرقابة    الوثائق     تقارير المصدر    بحوث ودراسات    معرض صور    الروابط    اتصل بنا